مقدمة:
حربٌ تتجاوز حدود الميدان
لم تعد الحرب في السودان مجرّد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحوّلت إلى معركة جيوسياسية واسعة، تحضر فيها أدوات الإعلام، وضغوط الدبلوماسية، وسباق النفوذ الدولي، وعودة القوى الكبرى إلى المشهد بنوايا ومشاريع متقاطعة. ومع تطاول أمد الصراع، تتكشّف حقائق جديدة حول طبيعة الأدوار الخارجية، ومحاولات إعادة التموضع، وحسابات إعادة تشكيل الخرائط الإقليمية.
الإمارات ومحاولة إعادة تقديم دورها: معركة الوعي أولاً
شهدت الساحة الإعلامية في الأسابيع الأخيرة تكثيفاً لافتاً لحملات موجهة للجاليات السودانية في الخارج، هدفت إلى إبراز الإمارات باعتبارها طرفاً إنسانياً يسعى لدعم الاستقرار. وقد كشف الصحفي بشير يعقوب عن ما وصفه بمحاولة أبوظبي “إعادة تقديم دورها في الحرب بالسودان”، عبر توظيف خطاب إعلامي منظم يسعى إلى “إعادة تشكيل الوعي” بشأن مسؤوليتها في مسار الحرب.
ورغم الانتقادات الواسعة والاتهامات المتداولة بشأن دعم أبوظبي لقوات الدعم السريع خلال العامين الماضيين، فإن هذه الحملات تبدو كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة التموضع وتليين الصورة لدى الرأي العام السوداني، خصوصاً في الخارج.
توتر صامت بين الرياض وأبوظبي
بالتزامن مع هذه التطورات، أشارت مصادر سياسية إلى وجود توتر خفي يتنامى بين الرياض وأبوظبي على خلفية ملف السودان. فقد أصبحت نقاشات الناشطين والصحفيين تعكس خلافاً متصاعداً حول آليات التعامل مع الأزمة، إذ تعارض السعودية بشكل واضح سياسة الإمارات الداعمة لقوات الدعم السريع، وتعتبرها عاملاً مؤججاً للصراع.
وأعاد السودانيون تداول تغريدة منسوبة للصحفي الإماراتي (أمجد طه) تضم انتقادات للمملكة قبل حذفها، ما فتح الباب أمام مزيد من التساؤلات حول عمق هذا التوتر.
وتترقّب الأوساط السياسية مواقف رسمية من الرياض وواشنطن وأبوظبي، خصوصاً في ظل تشابك الملفات المرتبطة بالحرب وأمن البحر الأحمر وإعادة توزيع ميزان القوى في المنطقة.
مصر: الفاشر خط أحمر
في خضم هذه الاصطفافات، برز الموقف المصري بحدة غير مسبوقة. فبحسب ما نقلته “الرأي السوداني”، شدد وزير الخارجية المصري على أن الانتهاكات في الفاشر تمثّل “خطاً أحمر” يمسّ وحدة السودان وسلامة أراضيه. وأكدت القاهرة ضرورة فرض ضغوط دولية عاجلة لوقف إطلاق النار وفتح ممرات إنسانية آمنة.
يدل هذا الموقف على تحوّل مهم في سياسة القاهرة، التي باتت ترى في الحرب تهديداً مباشراً لأمنها القومي، خاصة مع تصاعد نفوذ جماعات مسلحة على حدودها الجنوبية.
واشنطن تتحرك: ترامب يمسك بالملف شخصياً
كشفت التصريحات الأميركية الأخيرة أن الرئيس دونالد ترامب تولى شخصياً ملف إنهاء الحرب في السودان، بعد طلب مباشر من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. ويعد هذا التطور دليلاً على أن السودان تحول إلى ملف أمني واستراتيجي لا يمكن تجاهله في الحسابات الأميركية.
وتؤكد واشنطن أنها طرحت مقترحاً “قوياً” لوقف إنساني لإطلاق النار، دون شروط مسبقة، باعتباره مدخلاً لحوار سياسي شامل.
قاعدة روسيا البحرية: مشروعٌ في حالة جمود
وفي سياق التحركات الدولية، نفى السفير الروسي في السودان أي تقدم في مشروع إنشاء قاعدة بحرية في بورتسودان، مؤكداً أن الاتفاق الموقع عام 2020 لا يزال دون تصديق رسمي. ورغم التصريحات السودانية في فبراير 2025 بأن الاتفاق “تم تثبيته”، فإن موسكو تشير بوضوح إلى أن المشروع مجمّد.
هذا الارتباك يعكس تعقيد حسابات موسكو في البحر الأحمر، إضافة إلى تأثير الحرب الداخلية على القدرة السودانية في الالتزام بأي مشروعات استراتيجية طويلة الأمد.
أفريكوم وتحذيرات من تمدد الإرهاب في السودان
تأتي جولة الجنرال (داغفين أندرسون) ،قائد القيادة الأميركية في إفريقيا، في ظل تزايد المخاوف الأميركية من تحوّل السودان إلى بؤرة إرهابية جديدة في القارة. وقد اعتبر مراقبون أن الحرب جعلت السودان نقطة ضعف استراتيجية تهدد أمن البحر الأحمر بأكمله.
وأكد أندرسون أن جولته في إثيوبيا وكينيا تهدف لبحث الحد من خطر الإرهاب العابر للحدود وضمان أمن الممر البحري الحيوي، في ظل التحذيرات الأميركية من عودة الجماعات المتطرفة إلى المناطق الخارجة عن سيطرة الدولة.
مالك عقار: الحرب إبادة… والدعوة لحمل السلاح تتصاعد
داخلياً، اشتدت لهجة الخطاب الرسمي، حيث وصف نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار الحرب بأنها “حرب إبادة”، مشيراً إلى ممارسات الاغتصاب والتطهير العرقي. ودعا العقار كل قادر على حمل السلاح للتقدم إلى “الصفوف الأمامية”، مؤكداً أن الفاشر تمثّل رمزاً وطنياً لا يمكن التفريط فيه.
ويبرز هذا الخطاب تصعيداً واضحاً في نهج الدولة تجاه الحرب، بما يعكس شعوراً متزايداً بأن المعركة الوجودية تتجاوز طاقة المؤسسات القائمة.
عودة البنك الدولي: دعم مشروط بإعادة الإعمار
في تطور اقتصادي لافت، وصلت أول بعثة رفيعة من البنك الدولي منذ تعليق العلاقات في 2021. وأكدت البعثة استمرار مشروعات بقيمة تتجاوز 540 مليون دولار، تركز على الصمود والتعليم والصحة وشبكات الحماية.
وركز وزير المالية جبريل إبراهيم على أن أولويات الحكومة هي إعادة إعمار ما دمرته الحرب وتوفير الخدمات الأساسية، في وقت كشف فيه وفد البنك عن موافقة على تمويل مشروع جديد للطاقة النظيفة.
تؤشر هذه الزيارة إلى رغبة دولية في منع انهيار المؤسسات السودانية، لكنها في الوقت ذاته تبقي على شروط صارمة لضمان الاستدامة والشفافية.
مبادرة أميركية لا تجد قبولاً كاملاً
كشفت مصادر مصرية أن مبادرة وقف إطلاق النار التي حملها مسعد بولس – مستشار الرئيس ترامب – لم تجد قبولاً واضحاً من الطرفين. فالمجلس السيادي تحفظ على طبيعة اللجنة الدولية المقترحة، بينما حاول قائد الدعم السريع حميدتي استثمار المبادرة لتحسين صورته عبر إعلان هدنة أحادية الجانب.
ويرى خبراء عسكريون أن الطرفين يعانيان من ضعف تنظيمي يجعل الحسم العسكري شبه مستحيل، ما يفتح الباب أمام احتمالات تدخل أميركي مباشر في المستقبل.
خارطة الطريق الأميركية: تفكيك الميلشيات وإعادة بناء الدولة
تسرّبت أيضاً تفاصيل خارطة الطريق الأميركية لإنهاء الحرب، والتي تتضمن ثلاثة محاور أساسية:
تفكيك الميليشيات،
تشكيل جيش مهني،
وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ويرى مراقبون أن هذه الخطة هي الأكثر شمولاً منذ اندلاع الحرب، إذ تمزج بين أدوات الأمن والإصلاح المؤسسي، وتراهن على استعادة الدولة السودانية من خلال معالجة جذور الأزمة.
وتصفها مصادر دبلوماسية بأنها “خطة إنقاذ شاملة”، لكنها مرهونة بإرادة أميركية واضحة وتدخّل مباشر من الرئيس ترامب نفسه.
خاتمة: السودان في قلب معركة إعادة تشكيل الإقليم
تدل المؤشرات المتعددة – من التوتر الخليجي، والحراك الأميركي، والموقف المصري، وجمود المشروع الروسي، وتحذيرات أفريكوم – على أن السودان لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية، بل أصبح مسرحاً لصراع نفوذ دولي وإقليمي متشابك.
ومع غياب مسار سياسي موثوق، واشتداد المعارك، وتنامي الانقسامات، يبقى السودان في قلب معركة إعادة تشكيل الإقليم، وسط آمال معلّقة على وقف إنساني لإطلاق النار يمهّد لعودة الدولة وإطفاء شرارة الحرب التي تهدد المنطقة بأكملها.
البريد الإلكتروني: bshir057@gmail.com
