Popular Now

وجه الحقيقة | موانئ السودان… عقدة القرار.. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | الجهل المقدّس … حين تُطفأ الأسئلة ويُؤمَّم الوعي.. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة مقالات الحرب علي السودان الحلقة 25-3: مؤتمر برلين الثالث – دعم أم تواطؤ؟ د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

التخطيط الاستراتيجي الاقتصادي في السودان .. ( حلم التنمية بين إرادة التطبيق وعقبات الواقع ) .. بقلم مستشار : أحمد حسن الفادني – باحث بمركز الخبراء العرب

بين ثروات طبيعية تقدر بمليارات الدولارات وواقع اقتصادي يعاني من التضخم وأزمات متلاحقة متراكمة يظل السؤال الأبرز في السودان(لماذا لم تحقق البلاد نقلة تنموية حقيقية؟) يجيب خبراء كثر بأن مفقود المعادلة هو التخطيط الإستراتيجي الاقتصادي الفعال، و لكن هل جرب السودان هذا النهج؟ وما الذي يعيق تحويل الخطط إلى واقع ملموس؟

تاريخ من الخطط.. وتنفيذ متعثر
على مدى عقود ما بعد الاستقلال لم يكن السودان يفتقر إلى الخطط الاقتصادية الطموحة، بدءًا من الخطط الخمسية في ستينيات القرن الماضي ومرورًا بـالبرنامج الثلاثي للإنقاذ الاقتصادي و وصولًا إلى استراتيجيات النهضة الزراعية ، امتلأت الأدراج بوثائق تخطيطية ولكن أغلبها للأسف، بقي حبرًا على ورق.

يعلق الخبير الاقتصادي السوداني د. (هيثم محمد فتحي) قائلًا : “المشكلة لم تكن في غياب التخطيط بل في غياب ثقافة التنفيذ والمتابعة. كنا ننتج وثائق رائعة في الشكل تفتقر إلى آليات تنفيذية واقعية، وتتجاهل غالبا المعطيات السياسية والتمويلية على الأرض”.

تحديات مؤسسية… الجذور العميقة للأزمة
تقف عدة عوائق أمام أي جهد جاد للتخطيط الإستراتيجي في السودان نورد بعضها متمثل في الآتي:

1. عدم الاستقرار السياسي: مع كل تحول سياسي تهمل الخطط السابقة ويبدأ العمل على خطط جديدة مما أفقد البلاد الاستمرارية وعرقل تراكم الخبرات.
2. هشاشة المؤسسات: تفتقر المؤسسات المنوطة بالتخطيط إلى الاستقلالية الفنية وغالبا ما تخضع لإملاءات سياسية قصيرة المدى.
3. البيروقراطية والإدارة المتلكئة: يستنزفان الموارد ويقوضان ثقة المواطن والمستثمر في أي خطة وطنية.
4. أزمة التمويل المستفحلة: معظم الخطط كانت أشبه بأمنيات بدون موازنة واقعية أو مصادر تمويل مضمونة خاصة مع أزمات العملة الصعبة والدين الخارجي البالغ أكثر من 60 مليار دولار.

ما المطلوب مؤسسيا؟
لوضع خرط الطريق نحو تخطيط فعال تشير التحليلات إلى حاجة ماسة لإطار مؤسسي جديد، يقوم على:
1. مجلس أعلى مستقل للتخطيط الاستراتيجي: هيئة فنية محايدة تشكل بمشاركة خبراء وممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني بعيدا عن المحاصصة السياسية.
2. وزارة تخطيط تملك صلاحيات التنسيق الفعلي: مع سلطة حقيقية لمراجعة ومواءمة خطط الوزارات الأخرى وضمان اتساقها مع الرؤية الوطنية الشاملة.
3. نظام وطني للمتابعة والتقييم: يرصد الأداء بشكل دوري و علني ويحاسب المقصرين و يكيف و يوائم الخطط بناء على المعطيات الجديدة.
4. مركز وطني للإحصاء: ينتج بيانات موثوقة وشفافة كأساس لأي تخطيط علمي سليم.

خيارات على طاولة القرار:
أمام صناع القرار في السودان عدة نماذج للتخطيط لكل منها إمكانات ومخاطر:
1. النموذج التشاركي التوجيهي: وهو الأكثر ملاءمة للوضع الراهن، حيث تضع الدولة الإطار العام والأولويات وتفتح المجال واسعا للقطاع الخاص والمستثمرين والمجتمعات المحلية لقيادة عملية التنفيذ، مع ضمان عدالة التوزيع.
2. النموذج التكيفي المرن: ويعتمد خططًا قصيرة ومتوسطة المدى قابلة للتعديل السريع في ظل الظروف غير المستقرة التي يمر بها السودان بعيدا عن الجمود الذي صاحب الخطط الخمسية التقليدية.

الرؤية المستقبلية…من الفوضى إلى منهجية التخطيط
يتطلب بناء ثقافة التخطيط الإستراتيجي رؤية مرحلية واضحة:
1. على المدى القريب: يجب التركيز على خطة طوارئ اقتصادية تعالج الاختلالات الكلية الحادة (التضخم، سعر الصرف، الدعم) مع بدء عملية الإصلاح المؤسسي الفوري لمؤسسات التخطيط.
2. على المدى المتوسط: يحب إطلاق إستراتيجية تنموية متكاملة تعتمد على تنويع الاقتصاد (الزراعة التحويلية، التعدين، الخدمات اللوجستية) وبناء شراكات إقليمية ودولية ذكية.
3. على المدى البعيد: التحول إلى اقتصاد معرفي وإنتاجي مع تأسيس نظام تخطيط ديناميكي يكون جزءًا من الحوكمة الرشيدة للدولة وقادر على استيعاب الصدمات العالمية والثورات التكنولوجية.

وهنا يمكننا القول بأن التحدي في السودان لم يعد هو صياغة خطة إستراتيجية أخرى إنما التحدي الحقيقي هو توليد الإرادة السياسية والاجتماعية لتبني منهجية تخطيط علمية و تكون قادرة على تحمل تقلبات السياسة وتوفر لها الموارد وتخضع للمساءلة المجتمعية،فالموارد موجودة والطاقات البشرية حاضرة ما ينقص هو آلية حاكمة وعادلة لتحويل هذه الإمكانات إلى رفاه حقيقي للمواطن السوداني، فالسودان أمام فرصة تاريخية لكتابة فصل جديد للمستقبل حيث يكون التخطيط الاستراتيجي هو جسر العبور من مرحلة النجاة إلى مرحلة الازدهار.

المقالة السابقة

الخرطوم … عاصمة يجب أن تُصمَّم لتكون غير جاذبة للسكان ! .. بقلم/ د أحمد الطيب السماني .. مستشار إداري وخبير تنموي

المقالة التالية

سلسلة مقالات الحرب على السودان (المقالة الثالثة عشرة) .. إعادة تشكيل الوعي وإعادة رسم النفوذ: صراع الأدوار الإقليمية والدولية في حرب السودان .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *