مدخل عام:
يواصل السودان دخول مراحل أكثر تعقيداً في مسار حربه الممتدة منذ منتصف أبريل 2023، حيث تتداخل التحولات العسكرية مع حسابات الفاعلين الإقليميين والدوليين، فيما تتراجع فرص الحل السياسي لصالح واقع ميداني يزداد صلابة وتعقيداً. ومع قرب انتهاء عام 2025، تبدو الخريطة السياسية والعسكرية في حالة متحركة، ما يجعل دراسة المسارات المستقبلية ضرورة لفهم اتجاهات التوازنات الجديدة.
اشتداد العمليات العسكرية واتساع رقعة الاستنزاف
أحد أبرز ملامح المرحلة الراهنة هو انتقال العمليات العسكرية إلى نمط أكثر تركيزاً على استنزاف القدرات، يمثل فيه الجيش السوداني الطرف الأقرب للاستفادة من طول أمد الحرب، خاصة بعد استعادته لعدد من المدن والمواقع الاستراتيجية خلال النصف الثاني من العام 2024 وبداية 2025.
تحولات ميدانية بارزة
- تقدّم الجيش في ولايات الوسط والشرق مكّن من إعادة السيطرة على مساحات واسعة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية.
- تقلّص العمق الحيوي لقوات الدعم السريع في بعض المناطق، رغم استمرارها بالتمركز في جيوب حضرية ذات كثافة سكانية.
- دخول الحرب مرحلة الإطباق المتبادل، حيث يحاول كل طرف فرض واقع جديد قبل أي مسار تفاوضي محتمل.
هذه الديناميات تجعل احتمال تغيّر الخريطة الميدانية قائماً، لكن دون حسم سريع، ما يعني أن الحرب في مرحلة “توازن هش” قد يستمر لعدة أشهر أو ربما لعام آخر.
الأزمات الإنسانية: الوجع الصامت في خلفية المشهد
رغم تصاعد المعارك، فإن الأزمة الإنسانية تمثل العامل الأكثر حضوراً في تقارير المنظمات الدولية، والتي بدأت ترفع مستوى التحذير من كارثة إقليمية في حال استمرار حالة الانهيار الخدماتي والأمني.
أبرز ملامح الوضع الإنساني
- نزوح يفوق 10 ملايين شخص داخل السودان وخارجه وفق تقديرات أممية.
- تراجع قدرة المؤسسات الصحية على تقديم أقل مستويات الخدمة.
- تفاقم انعدام الأمن الغذائي واتساع رقعة المجاعة في المناطق المحاصرة.
في ظل هذه الصورة، أصبح الموقف الإنساني أحد أهم أدوات الضغط على أطراف الحرب، خصوصاً مع ارتفاع صوت المجتمع الدولي بضرورة فتح ممرات آمنة ووقف العمليات العسكرية في المناطق المأهولة.
المسارات السياسية: تراجع فرص التسوية واستمرار التجاذبات
لم تُفلح الجهود الإقليمية والدولية في خلق مسار سياسي قادر على كبح انتشار الحرب. ويعود ذلك إلى عدة أسباب جوهرية:
1. انعدام الثقة بين الأطراف خاصة المدنية والتي تسعي إلى تشويش أن الحرب أهلية وأنها بين جنرالين …
كل طرف يعتقد أن أي وقف لإطلاق النار سيمنح الآخر فرصة لإعادة ترتيب صفوفه، مما جعل الحوار رهينة حسابات ميدانية وليست سياسية.
2. تباين المواقف الإقليمية
الفاعلون الإقليميون يتعاملون مع الأزمة من زوايا مصالحهم المباشرة، ما أدى إلى تداخل أجندات خارجية تُعقّد فرص بناء مسار حوار موحد.
3. غياب كتلة سياسية مدنية قادرة على قيادة المشهد
الانقسام داخل القوى المدنية جعلها عاجزة عن لعب دور حاسم، الأمر الذي زاد من فراغ الوساطة الداخلية.
ضغط المجتمع الدولي: بين الإدانة ومحاولات الاحتواء
ازدادت الضغوط العالمية على الطرفين بعد توثيق انتهاكات واسعة النطاق، خاصة في المناطق الحضرية التي شهدت انتهاكات خطيرة ضد المدنيين. وقد تحولت هذه الضغوط إلى:
- عقوبات فردية على قيادات عسكرية.
- ملاحقات قانونية دولية في إطار ملفات جرائم الحرب.
- تقارير مكثفة تُدين الانتهاكات وتدعو لوقف فوري للعنف.
ورغم تأثير هذه الضغوط على صورة الحرب دولياً، فإن أثرها المباشر على مسار الحرب لا يزال محدوداً بسبب غياب أدوات enforceable لوقف العمليات.
سيناريوهات المرحلة المقبلة (2026–2027)
1. سيناريو استمرار القتال لفترة، وحتمًا الجيش نفسه طويل في كسب المعارك
وهو السيناريو الأرجح في المدى القصير، حيث لا يمتلك أي طرف القدرة على حسم كامل، ولا القابلية لتقديم تنازلات سياسية جوهرية.
2. سيناريو استعادة تدريجية للميدان عبر عملية طويلة النفس
قد يستطيع الجيش تعزيز مكاسبه في ولايات الوسط والشرق وربما إحكام الطوق على بعض المراكز الحضرية.
3. سيناريو ضغوط دولية تُفضي لاتفاق إيقاف مؤقت لإطلاق النار
في حال وصلت الأزمة الإنسانية لمرحلة تهدد الاستقرار الإقليمي، قد يتحرك المجتمع الدولي لإجبار الطرفين على قبول هدنة إنسانية.
خاتمة
تدخل الحرب السودانية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً، تتنافس فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الإنسانية والسياسية. ومع استمرار المشهد على هذا النحو، تبدو البلاد في مفترق طرق يحتاج إلى مقاربة مختلفة وجريئة من جميع الأطراف، وإلا ستظل الأزمة مفتوحة على احتمالات أكثر قسوة.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com

