Popular Now

مسارات .. السودان بعد برلين: من ساحة صراع إلى دولة تصنع توازناتها .. بقلم: د.نجلاء حسين المكابرابي

وجه الحقيقة | موانئ السودان… عقدة القرار.. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | الجهل المقدّس … حين تُطفأ الأسئلة ويُؤمَّم الوعي.. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

سلسلة مقالات الحرب على السودان – المقالة السابعة والعشرون .. تحول إستراتيجي يعيد رسم التوازنات الإقليمية .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود

مدخل: لماذا تغيّر الموقف السعودي الآن؟
كيف يمكن فهم التحركات السعودية الأخيرة تجاه السودان؟ وما الذي دفع الرياض إلى التباعد الحاسم عن الخط الإماراتي بعد سنوات من التقاطع؟
هذا السؤال، كما طرحه الأستاذ الصحفي الكبير عادل الباز في مقالته المرجعية، بات مدخلاً ضرورياً لفهم التحول الجاري في مقاربة واحدة من أكثر الدول تأثيراً في الإقليم تجاه الحرب في السودان، في لحظة لم تعد تحتمل الرمادية ولا إدارة الأزمة بمنطق المسكنات.

أولاً: انكشاف الدور الإماراتي وسقوط الغطاء الدولي

شهد الملف السوداني خلال الأشهر الماضية تحولاً مفصلياً تمثل في انكشاف الدور الإماراتي في الحرب، بعد سنوات من التغبيش والتدليس الذي مارسته دبلوماسيات غربية قدّمت المصالح والاستثمارات على القيم الإنسانية.
التغطية المتراكمة في الصحافة الغربية الكبرى نزعت ما تبقى من أوراق التوت، وأخرجت أبوظبي من مربع الإنكار إلى خانة التبرير العلني، ثم إلى محاولة القفز نحو دور “الوسيط الخيّر”. غير أن هذه المناورة سرعان ما انكشفت، فسقط عنها أي غطاء دبلوماسي أو أخلاقي.

ثانياً: الميلشيا بلا أقنعة

منذ جريمة إبادة المساليت في الجنينة، ظهرت الطبيعة الإجرامية للميلشيا، إلا أن التواطؤ الدولي حال دون توصيفها الحقيقي.
لكن مع المجازر اللاحقة، خاصة بعد سقوط الفاشر، أصبح من المستحيل مواصلة التعمية. صدرت إدانات واضحة من البرلمان الأوروبي والأسترالي، ومن أعضاء في الكونغرس الأميركي والبرلمان البريطاني، وتكثّفت التغطية الإعلامية الغربية بما أغلق باب الجدل حول طبيعة هذه القوة، حتى لدى بعض داعميها.

ثالثاً: صوت الضحايا يصل إلى العالم

نجح الحراك المنظم للجاليات السودانية في الخارج في إعادة قضية السودان إلى واجهة الاهتمام الدولي. هذا الصوت، صوت الضحايا، فرض نفسه على دوائر صنع القرار في الغرب، وكسر سنوات من الصمت والتجاهل، وأسهم في تغيير المزاج السياسي والإعلامي تجاه الحرب ومآلاتها.

رابعاً: الجيش وصناعة معادلة الصمود

رغم قلة الموارد وخذلان الأشقاء والجيران، حافظ الجيش السوداني – المدعوم شعبياً – على صموده، وثبّت موقفين جوهريين:
أولهما، الرفض القاطع لأي دور إماراتي في تسوية الحرب، وما تبع ذلك من رفض مشاريع التسوية غير العادلة التي طرحتها الرباعية.
وثانيهما، رفض إعادة تدوير الميلشيا سياسياً أو عسكرياً، والتمسك بخارطة الطريق المقدمة للأمم المتحدة أساساً وحيداً للحل.

خامساً: البحر الأحمر يدخل حسابات الأمن القومي السعودي

أحد أخطر المتغيرات تمثل في احتمال تمدد نيران الحرب إلى دول الجوار، لا سيما بعد التطورات في غرب كردفان والفاشر.
الخطر الأكبر يكمن في وصول التهديد إلى البحر الأحمر، الذي تمر عبره نحو 40% من تجارة السعودية و13% من التجارة العالمية، فضلاً عن قربه من استثمارات “نيوم” العملاقة. هنا بات ما يجري في السودان شأناً مباشراً للأمن القومي السعودي.

سادساً: التمدد الإماراتي في اليمن وتوسيع ساحات الصراع

في السياق ذاته، جاءت التحركات الإماراتية في اليمن، عبر دعم محاولات السيطرة على حضرموت، لتُقرأ بوصفها رسالة ضغط ورد فعل على مساعي السعودية لإدارة الملف السوداني بعيداً عن الرباعية، وهو ما عمّق القناعة في الرياض بضرورة الإمساك بزمام المبادرة.

سابعاً: من الرباعية إلى منصة الرياض

شكّل اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب نقطة انعطاف مفصلية، حيث وُضع الملف السوداني بكل تفاصيله على طاولة القرار الأميركي.
تبع ذلك دعم سعودي معلن لمؤسسات الدولة السودانية، ولقاء جمع القيادة السعودية برئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الرياض، ثم اجتماع ضم المبعوث الأميركي مع القيادة السودانية.
هذه الخطوات تشير بوضوح إلى دفن مسار الرباعية، وتأسيس منصة ثلاثية سودانية – سعودية – أميركية، وهو مطلب ظل السودان يرفعه طويلاً.

ثامناً: الإعلام والسياسة… مؤشرات التحول

انعكس التحول السعودي على الخطاب الإعلامي الرسمي والخاص، وعلى مواقف النخب والمؤثرين، إضافة إلى دعم ملموس للسودان في مجالات متعددة، بما يؤكد أن التغيير ليس تكتيكياً، بل إستراتيجياً.

تاسعاً: البيئة الإقليمية المواتية للقيادة السعودية

أسهمت المصالحة مع إيران بوساطة صينية، والسير نحو إغلاق جبهة اليمن، في إتاحة المجال أمام الرياض للتفرغ لملف السودان.
وفي المقابل، تبدو الإمارات عاجزة عن خوض مواجهة مفتوحة مع السعودية، خاصة مع تماسك الموقف الخليجي الذي ظهر جلياً في اجتماع مجلس التعاون الأخير، ما يمنح الدور السعودي قبولاً إقليمياً ودولياً واسعاً.

عاشراً: ما بعد “التيه”… السودان أمام مفترق طرق جديد

مجمل هذه المتغيرات تضع التحركات السعودية في إطار تحول استراتيجي شامل. فالسعودية لم تعد تنظر إلى السودان بوصفه أزمة إنسانية أو سياسية بعيدة، بل باعتباره ملفاً يمس أمنها القومي ومشاريعها الاقتصادية الكبرى.
ومع انكشاف أدوار إقليمية مهدِّدة، ووجود إدارة أميركية أكثر انسجاماً مع رؤية ولي العهد، تبدو الرياض مهيأة لقيادة فصل جديد يعيد رسم توازنات المنطقة، وينهي مرحلة “التيه” التي كرّستها الرباعية.

خاتمة: السودان في قلب التحول الإقليمي

تؤكد المعطيات أن التحركات السعودية تجاه السودان ليست استجابة ظرفية، بل جزء من إعادة هندسة للتوازنات الإقليمية. فقد أدركت الرياض أن استمرار الفوضى في السودان يفتح ثغرات خطيرة في أمن البحر الأحمر، ويمنح قوى إقليمية متهورة فرصة لفرض وقائع تتعارض مع استقرار المنطقة.
وفي المقابل، أسهم صمود الجيش، وانكشاف طبيعة الميلشيا، وتراجع مصداقية الرباعية، في تهيئة الأرضية لتحول تقوده السعودية بدعم أميركي وقبول إقليمي.
إن الرهان اليوم لم يعد على مسارات متناقضة، بل على مسار واضح المعالم يعيد الاعتبار للدولة الوطنية، ويمنح السودان فرصة حقيقية للخروج من نفق الحرب، إذا ما أُحسن استثمار هذا التحول وحُسمت معركة الإرادة الوطنية.

البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

جذور و أوراق .. إلى قطر 🇶🇦 .. سارية المجد في عيدها الوطني .. بقلم/ موفق عبدالرحمن

المقالة التالية

السودان والتفكير الناقد: مدخلٌ لا غنى عنه للنهضة وبناء المستقبل .. بقلم/ د.أحمد الطيب السماني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *