أولاً: الملخص التنفيذي
تكشف هذه الورقة أن السكن الاضطراري في السودان لم يعد مجرد ظاهرة عمرانية أو انعكاسًا للفقر والنزوح، بل تحوّل إلى عامل بنيوي مؤثر في استدامة الحرب، وتهديد مباشر للأمن القومي، ومُفجّر محتمل لانهيار التعايش الاجتماعي. وتُظهر النتائج، مدعومةً باتجاهات الرأي العام، وجود وعي شعبي واسع بخطورة العشوائيات والكنابي، حيث يُنظر إليها باعتبارها بيئات خصبة لانتشار السلاح والعنف، وقواعد خلفية للتجنيد والاستقطاب العسكري، إضافة إلى كونها نقاط احتكاك اجتماعي وإثني وقبلي، ومساحات خارجة عن السيطرة المؤسسية للدولة.
وتعكس اتجاهات الرأي العام قلقًا متزايدًا من تداعيات استمرار هذا الوضع، مع إدراك واضح بأن تجاهل الملف أو حصر معالجته في المقاربة الأمنية وحدها سيؤدي حتمًا إلى إطالة أمد الحرب، وتصاعد العنف والاحتقان المجتمعي، وتهديد فرص السلام وإعادة الإعمار والاستقرار المستدام، مقابل دعمٍ شعبيٍ للحلول الشاملة التي تقوم على التنظيم والدمج العمراني والمعالجة التنموية والاجتماعية المتوازنة.
ثانيًاً: خلفية عامة وسياق المشكلة
شهد السودان، خلال العقود الماضية، توسعًا متسارعًا في أنماط السكن غير المخطط، خاصة:في أطراف المدن الكبرى،وفي المناطق الزراعية عبر ما يُعرف بالكنابي.ومع اندلاع الحرب، انتقلت هذه المناطق من الهشاشة التنموية إلى الهشاشة الأمنية الكاملة، نتيجة غياب الدولة والخدمات، وضعف التخطيط العمراني، واستغلال أطراف الصراع لهذه الفراغات.
تُظهر المتابعات الإعلامية أن العشوائيات والكنابي لم تنشأ فقط بسبب الحرب، بل أصبحت أحد محركاتها، من خلال تحويل سكانها إلى:خزانات بشرية للمقاتلين،أو أدوات ضغط عسكري واجتماعي أو وقود لخطاب الكراهية والانقسام.
ثالثاً أبعاد المشكلة:
تحوّل السكن الاضطراري في السودان من قضية تنموية إلى أزمة أمن قومي وتماسك اجتماعي، في ظل:عسكرة المناطق السكنية،استغلال السكان اقتصاديا وقبليا، وانهيار الثقة بين المجتمعات المحلية مما خلق مجموعه من الابعاد.
أمنياً: أنتشار السلاح، استخدام العشوائيات كمخازن وممرات و تآكل السيطرة الحكومية.
ب. اجتماعياً : احتقان قبلي وإثني، خوف من انتقام جماعي و تفكك مفهوم المواطنة.
ج. تنمويًا:غياب الخدمات الأساسية، استمرار الفقر والبطالة و بيئات قابلة للتجنيد والاستغلال.
رابعاً : أدلة ومؤشرات من واقع قياس الرأي العام
تعكس نتائج استطلاع الرأي العام الذى اجراه هذا الطرف بواسطة مركز متخصص مستقل ومحايد( مركز الخبراء العرب)،إجماعًا شعبيًا نادرًا على خطورة الظاهرة حيث اظهرت القياسات أن :
% 92 من المشاركين يربطون السكن الاضطراري بتفشي السلاح والعنف.
81 % من المشاركين يرون أن العشوائيات تُستغل كمناطق عسكرية ومخازن سلاح.
96.9% من المشاركين يؤكدون استغلال سكان هذه المناطق في الحرب بواسطة المليشيا المتمردة.
86.4 % من المشاركين يشيرون إلى تدهور أمني حاد داخل العشوائيات.
88.8 % من المشاركين يرون أن المشاركة في الحرب فاقمت الاحتقان الاجتماعي.
72.6 % يتوقعون موجات عنف وانتقام مجتمعي مستقبلي.
96.5 % يطالبون بسياسات عاجلة لمعالجة السكن الاضطراري.
77.6% يدعمون إعادة التخطيط العمراني بدل الإخلاء القسري.
دلالة الرأي العام المهمة: أن هذه الأرقام تعكس وعيًا شعبيًا ناضجًا يتجاوز الطرح الأمني الضيق، ويدعم الحلول الهيكلية طويلة الأمد.
سادساً: تحليل نتائج الرأي العام:
من الواضح أن السكن الاضطراري مثل وقوداً للحرب أذ تُظهر النتائج أن أطراف النزاع، خاصة قوات الدعم السريع، استغلت:الفقر،الروابط القبلية،والإغراءات المادية،لتحويل هذه المناطق إلى عمق بشري وعسكري، ما يُسهم في إطالة أمد الحرب.
تهديد التعايش الاجتماعي حيث تحولت الكنابي والعشوائيات إلى تجمعات مغلقة إثنيًا أو قبليًا،ومناطق وصم اجتماعى يُهدد بظهور صراعات أفقية داخل المجتمع حتى بعد توقف الحرب.
غياب الدولة كعامل مُضاعِف للأزمة ويتمثل في غياب التخطيط والخدمات: مما سهّل عسكرة الفضاء المدني،وأفقد الدولة أدوات الضبط الاجتماعي،ورسّخ منطق القوة بدل القانون
بدأت بعض الولايات تنفيذ عمليات إزالة للسكن الاضطراري والعشوائي بدوافع إدارية وعمرانية، إلا أن غياب التدرج والبدائل والتواصل المجتمعي حوّل الإجراءات إلى أزمة سياسية وأمنية.
أدّت الإزالات غير المصحوبة بحلول إلى تصعيد اجتماعي واحتجاجات محلية، وانتقال القضية من ملف خدمي–عمراني إلى قضية رأي عام عالية الحساسية.
استغلت بعض الحركات المسلحة حالة التصعيد لتبنّي قضية السكن الاضطراري ضمن خطاب الدفاع عن المهمشين، وتقديم نفسها كفاعل اجتماعي بديل عن الدولة.
تحوّل السكن الاضطراري من بيئة هشّة قابلة للاستقطاب إلى أداة سياسية قابلة للتسليح الرمزي وربما الميداني.
يهدد تسييس القضية بتحويل ملف مدني–تنموي إلى قضية مظلومية مسلحة، بما يفتح الباب أمام تجدد التجنيد، وإعادة إنتاج الصراع،وربط الاحتجاج الاجتماعي بالعنف المسلح.
تؤدي الإزالات القسرية غير المؤطرة قانونيًا واجتماعيًا إلى تقويض شرعية الدولة وتعزيز سرديات الحركات المسلحة بوصفها “حامية اجتماعية”.
ينذر تبنّي الحركات المسلحة للملف بـ توسّع دائرة النزاع إلى المدن والأطراف الحضرية، وتهديد مسارات السلام وإعادة الإعمار.
لا تكمن الأزمة في مبدأ تنظيم أو إزالة السكن الاضطراري، بل في:توقيت التنفيذ في ظل الحرب،وأسلوب التنفيذ دون حزم اجتماعية مرافقة،بالاضافة الى الفراغ الاتصالي الذي سمح بتغوّل خطاب تعبوي مسلّح.
تُظهر نتائج الاستطلاع الذى شكل اساس هذا التقرير أن غالبية المواطنين يؤيدون التنظيم والتخطيط، لكنهم يرفضون المعالجة القسرية غير المصحوبة ببدائل واقعية.
استمرار هذا المسار دون تصحيح قد يؤدي إلى:نشوء بؤر احتجاج مسلح داخل المدن،واستخدام العشوائيات كورقة ضغط سياسي،وتعقيد برامج نزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج (DDR).
سادسًا: الانعكاسات الإعلامية لقضية إزالة السكن الاضطراري
تحوّل القضية من ملف خدمي إلى أزمة رأي عام بفعل الصور والمقاطع المؤثرة المرتبطة بالإزالة والاحتجاجات.
هيمنة الروايات العاطفية على المشهد الإعلامي مقابل ضعف الرواية الرسمية التفسيرية والإنسانية.
تصاعد الاستقطاب الإعلامي والمجتمعي بين خطاب فرض هيبة الدولة وخطاب المظلومية الاجتماعية.
استثمار الحركات المسلحة إعلاميًا في القضية لتقديم نفسها كمدافع عن الفقراء والمهمشين وكسب تعاطف شعبي.
تنامي خطاب الكراهية والوصم الاجتماعي ضد سكان السكن الاضطراري وما يقابله من خطاب تعبوي مضاد.
تراجع الثقة في الخطاب الرسمي بسبب غياب التواصل المسبق وشرح البدائل والتوقيت.
تحوّل الإزالات إلى مادة للشائعات والتضليل في ظل الفراغ الإعلامي وضعف الشفافية.
قابلية تدويل الخطاب إعلاميًا وتحويل القضية إلى تقارير حقوقية وضغوط خارجية.
تهديد التماسك الاجتماعي والسلم الأهلي نتيجة التناول الإعلامي الانفعالي وغير المنضبط خيارات
سابعاً الخيارات المطروحة للمعالجة
الخيار الأول: الإبقاء على الوضع الراهن وتكون النتيجة: استمرار الحرب، انفجارات اجتماعية، فشل إعادة الإعمار.
الخيار الثاني: المعالجة الأمنية المحدودة وتتمثل النتيجة فى تهدئة مؤقتة، عودة الأزمة بشكل أعنف.
الخيار الثالث وهو الموصى به تدخل وطني شامل متعدد المحاور لتكون النتيجة: تقليص العنف، إعادة بناء الثقة، تحصين السلام.
التوصيات
أولًا: حوكمة الملف
اعتماد ملف السكن الاضطراري والكنابي كـ قضية أمن قومي وبناء سلام لا كمسألة خدمية هامشية.
إنشاء مفوضية وطنية مستقلة تُعنى بتنظيم السكن الاضطراري والكنابي وتنسيق الجهود الاتحادية والولائية.
ثانيًا: التنظيم العمراني
الإيقاف الفوري لأي تمدد أفقي عشوائي جديد دون استثناءات.
دمج العشوائيات المستقرة والقابلة للتقنين في التخطيط العمراني الرسمي بدل الإزالة القسرية.
فرض حظر قانوني صارم على التوسع غير المشروع للكنابي داخل الحيازات الزراعية.
ثالثًا: الإدارة الإعلامية للملف
بناء رواية رسمية إنسانية تركز على (التنظيم – البدائل – الكرامة – التدرج) لا المقاربة الأمنية المجردة.
اعتماد السبق الإعلامي والتواصل المجتمعي قبل تنفيذ أي إجراءات إزالة أو تنظيم.
تحييد لغة الوصم والتجريم الجماعي في الخطاب الرسمي والإعلامي.
تفكيك خطاب الحركات المسلحة إعلاميًا عبر كشف التوظيف السياسي للقضية دون شيطنة السكان.
إشراك الإعلام المحلي والقيادات المجتمعية في إدارة النقاش العام حول القضية.
رابعًا: المعالجة الاجتماعية
إطلاق برامج عودة طوعية وآمنة للمناطق الأصلية متى ما توفرت شروط الاستقرار.
تنفيذ مبادرات مصالحة مجتمعية محلية في المناطق المتأثرة بالإزالات أو النزوح.
مكافحة خطاب الكراهية والانغلاق القبلي عبر برامج توعوية ومجتمعية مستدامة.
خامسًا: الضبط الأمني
منع عسكرة المناطق السكنية العشوائية وتجريم استخدامها لأغراض عسكرية.
ضبط انتشار السلاح داخل التجمعات العشوائية والكنابي عبر آليات قانونية تدريجية.
مراقبة ومنع أي نشاط تجنيدي أو استخباراتي يستغل هشاشة السكان.
سادسًا: التدخل التنموي
ضمان توفير الحد الأدنى من الخدمات الأساسية (المياه، الصحة، التعليم) كمُدخل للاستقرار.
ربط تحسين الخدمات ببرامج الحد من العنف، ونزع التطرف، وبناء الثقة مع الدولة.
سابعًا: المعرفة وصناعة القرار
إنشاء مرصد وطني دائم لرصد أوضاع السكن الاضطراري والكنابي وتحليل اتجاهاتها.
اعتماد البيانات الميدانية والاستطلاعات كأداة أساسية لتوجيه السياسات والتدخلات.
المصادر والمراجع
تم الاعتماد في هذه الورقة على مزيج من البيانات الميدانية، التحليل السياساتي، والأطر النظرية الدولية، مع إعطاء أولوية لنتائج استطلاع الرأي العام باعتبارها مصدرًا أوليًا يعكس الإدراك الشعبي المباشر.
برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat).
Urbanization and Informal Settlements in Conflict-Affected Countries.
برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP).
Human Development Report – Sudan.
(OCHA).
Sudan Humanitarian Needs Overview.
(World Bank).
Fragility, Conflict, and Violence Strategy.
مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group).
تقارير تحليلية عن النزاع، التهميش، والديناميات المجتمعية في السودان.
مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام.(استطلاع الرأي العام حول تأثير السكن الاضطراري على استمرار الحرب ومسيرة التعايش الاجتماعي في السودان، ديسمبر 2025

