مدخل: حين يستعيد الشارع السوداني زمام المبادرة
في واحدة من أكثر اللحظات دلالة منذ اندلاع الحرب، خرج الشارع السوداني عن صمته، معلنًا موقفه بوضوح وحسم. مسيرات مليونية عمّت معظم ولايات البلاد، أكدت التأييد الشعبي الواسع للقوات المسلحة السودانية، وعبّرت عن غضب عارم تجاه ميلشيا الدعم السريع، ورفض قاطع للدور الإماراتي المتهم بتمويلها وإطالة أمد الحرب.
لم تكن هذه المسيرات مجرد حراك عاطفي، بل تعبيرًا سياسيًا واعيًا عن إرادة شعب أنهكته الحرب، وقرر أن يقول كلمته في معركة الوجود والدولة.
أولاً: مسيرات مليونية تؤكد اصطفاف الشعب خلف الجيش
من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، خرجت جموع السودانيين في مسيرات سلمية حاشدة، رفعت شعارات واضحة لا تحتمل التأويل، أبرزها دعم الجيش الوطني باعتباره المؤسسة الشرعية التي تقاتل دفاعًا عن وحدة السودان وسيادته.
كما حملت المسيرات رسائل شديدة اللهجة ضد ميلشيا الدعم السريع، متهمة إياها بارتكاب جرائم ممنهجة بحق المدنيين، وبالعمل كأداة لمشاريع خارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي الذي وُصف في الهتافات واللافتات بأنه تدخل مباشر في الشأن السوداني.
ثانيًا: الخرطوم… الذاكرة الجريحة تخرج إلى الشارع
في الخرطوم، العاصمة التي تحولت إلى مسرح مفتوح للانتهاكات، خرج آلاف المواطنين في منطقة (الكلاكلة)، في مشهد بالغ الرمزية.
المدينة التي:
- سُفكت فيها دماء الأبرياء،
- وانتهكت فيها المنازل،
- واستُخدمت المدارس والجامعات والمرافق المدنية لأغراض عسكرية،
- وتعرّضت ممتلكات المواطنين للنهب المنظم.
عادت لتعلن موقفها الصريح: لا مكان للميلشيا في مستقبل السودان.
وكان لخروج المتضررين مباشرة من بطش (الجنجويد) دلالة قوية على فشل محاولات تزييف الوعي أو فرض واقع بالقوة.
ثالثًا: السودانيون في الخارج… معركة الرواية لا تقل أهمية
بالتوازي مع الداخل، شهدت عدة عواصم ومدن عالمية خروج آلاف السودانيين في وقفات ومسيرات داعمة للجيش، ورافضة للتدخل الإماراتي في الحرب.
هذا الحراك الخارجي عكس:
- وحدة الموقف الوطني بين الداخل والمهجر،
- تصاعد الوعي بأهمية كسب الرأي العام الدولي،
- وإصرار الجاليات السودانية على كشف حقيقة الصراع بوصفه حربًا على الدولة، لا نزاعًا داخليًا عابرًا.
رابعًا: المليشيا تواصل الانتهاكات… وكادقلي نموذجًا
في مقابل هذا الزخم الشعبي، تواصل ميلشيا الدعم السريع ارتكاب الانتهاكات بحق المدنيين في عدة مناطق، كان آخرها الهجوم على مدينة كادقلي، الذي أثار ردود فعل دولية.
تعليق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش على الهجوم أعاد تسليط الضوء على خطورة سلوك الميلشيا، إلا أن هذه الإدانات تظل محدودة الأثر ما لم تُترجم إلى إجراءات حقيقية توقف تدفق الدعم والسلاح.
خامسًا: الجهود السعودية… دبلوماسية هادئة في توقيت حساس
في سياق متصل، وصل وفد سعودي رفيع المستوى إلى مدينة بورتسودان، حيث التقى رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان.
الزيارة، التي وُصفت بالغامضة من حيث التوقيت والرسائل، تعكس استمرار الجهود السعودية الرامية إلى إحلال السلام، ومحاولة بلورة مسار سياسي جديد يأخذ في الاعتبار التحولات الميدانية، وإرادة الشارع السوداني.
ويرى مراقبون أن هذا التحرك قد يشكّل مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي حول السودان، بعيدًا عن مشاريع الفوضى والاحتراب.
خاتمة: إرادة الشعب تفرض معادلتها
ما شهدته شوارع السودان، وما تردّد صداه في الخارج، يؤكد أن الشعب السوداني لم يعد متفرجًا على حرب تُدار باسمه.
لقد عبّر بوضوح عن:
- دعمه للجيش الوطني،
- رفضه القاطع للميلشيا،
- وغضبه من التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي.
ومع تصاعد هذا الوعي الشعبي، تتآكل شرعية الحرب، وتسقط الأقنعة عن صانعيها ومموليها. إنها لحظة فارقة، إما أن تُحترم فيها إرادة السودانيين،
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com
