– في عمق الجراح السودانية، في أقصى الغرب المنسي من خارطة الوجدان الدولي، تقف الفاشر اليوم، كما تقف غزة، شاهدة على عصر تهاوت فيه القيم، وتمزقت فيه خرائط الإنسانية وانكمشت الضمائر حتى صارت لا ترى إلا ما يملى عليها.
– الفاشر… عاصمة دارفور التاريخية، مدينة السلطان علي دينار، رمز السيادة والكرامة السودانية، تتعرض لحصار خانق ومأساة إنسانية متكاملة الأركان، يئن فيها مواطنيها من شدة وطأة سكاكين الجوع، وتدوي فيها القذائف فوق رؤوس أطفالها ونسائها وشيوخها، في مشهد يائس لا يراه العالم إلا ظلا عابرا في نشرات الأخبار أن تم بثه أو كتب في تقارير إن كتبت أو رآها!
– المجاعة تضرب الفاشر، لا طعام، لا دواء، لا ممرات إنسانية، ولا ضوء ينير الأفق ، العائلات تحتمي في الخنادق، تنهشها المسيرات من السماء وقذائف المدفعية من الأرض، وتحاصرها ميلشيا متمردة، خارجة عن كل قوانين الأرض والسماء، تحترف الجريمة وتتاجر بدم الأبرياء، بلا أدنى وازع ديني أو إنساني إن كانوا كذلك وتقيم حكومتها على موائد الموت ورائحة الجوع و الدماء.
– أين أنتم يا من تدعون الدفاع عن حقوق الإنسان؟ أين منظماتكم التي تملأ الدنيا ضجيجا بالشعارات الفارغة؟ أين مجلس الأمن؟ أين الأمم المتحدة؟ أين العالم المتحضر؟ هل أصبحت دماء السودانيين رخيصة إلى هذا الحد؟ أم أن السودان ليس في قائمة الدول التي تملك المال ونهجها الرشاوي و الفساد، أو تمتلك الغاز، أو الثروات التي تشفع لأهله عندكم؟
– بل السودان بلد الكنوز… الذهب، واليورانيوم، والثروات النادرة، و الرجال الشم و النساء الدر، واعتقد ولهذا تكالبت عليه الدول، سرا وعلانية، تبحث عن الخراب لتعيد رسم خريطته وفق مصالحها، نعم… السودان ينهب أمام أعين العالم، والفاشر تنزف، بينما الجميع يتفرج.
– ليست الفاشر وحدها، بل كل دارفور تصرخ كل يوم من ويلات الحروب و الإبادة الجماعية، ولكن الفاشر اليوم هي المرآة الصافية التي تعكس عمق الخذلان،الفاشر اليوم هي غزة السودان، بل هي أشد وجعا، لأن الحصار يفرض عليها من بينها وبأيادي مأجورة، رهنت نفسها لقوى الفوضى والارتزاق، وألقت بأهلها في أتون الجوع والنار.
– الطفل في الفاشر ينام على الأرض بلا غطاء، بينما تحوم فوقه الطائرات المسيرة كغربان موت، تنتظر أن تسرق منه حتى أنفاسه الأخيرة، الأم تبكي جوع أطفالها، وتكتم صراخهم بيدها كي لا يجذبوا رصاصات المرتزقة،والشيخ يتوكأ على عصاه وسط ركام المساجد والمدارس، حاملا بقايا ما تبقى من الدعاء والصبر، في وجه جحيم لا يُطاق.
– أي عار يلاحق هذا العالم؟ أي تاريخ سيكتبه الغد عن هذه المجازر؟ و أي أعذار ستكفي حين يسأل الناس يوما لماذا صمتم على حصار الفاشر؟
– الفاشر لا تطلب شيئًا مستحيلا، بل تطلب الحياة، والكرامة، ولقمة تسد بها رمق الجائعين، وتطلب أن يرفع الحصار، أن يوقف القصف، أن تفتح الممرات الإنسانية، أن يتحرك الضمير العالمي، ولو لمرة واحدة، قبل أن تمحى المدينة من الوجود كما محيت قرى كثيرة قبلها.
– إلى أهل السودان جميعًا… لا تتركوا فاشر السلطان وحيدة فقوموا لنجدتها بدعائكم و جندكم ، هذه ليست مدينة في أقصى الغرب… بل هي قلب السودان النابض، هي الكرامة التي إن سقطت هناك، سقطت في كل بيت، هي الأرض التي إن جاع فيها طفل، فقد جاع الوطن كله.
– إلى العالم… لا تجعلوا الفاشر اختبارا آخر تفشلون فيه، فكل يوم يمر على هذا الحصار، هو عار يسجل في دفتر الإنسانية، وكل ضحية تقتل هناك، هي شاهدٌ على تواطئكم،وصمتكم، وجبنكم، فالفاشر اليوم تقول للعالم “لن نموت صامتين.”وستظل صرختها تزلزل الساكتين، وتفضح العابرين في دهاليز السياسة وتكتب بدم أبنائها فصلًا جديدًا في نضال هذا الوطن الذي لم ينكسر، ولن ينكسر.
