Popular Now

امريكا وحلفائهما وممارسة الطغيان والتطرف والإرهاب علي العالم اجمع باسم الديمقراطية .. ” 2 من 3 ” ( قانون الغاب والاستخواذ ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. لا للحرب… كيف أُفرغت الانتصارات من معناها؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

وجه الحقيقة | النخب السودانية والفرصة الأخيرة .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

لماذا تأخر السودان زراعياً رغم وفرة الإمكانيات؟ .. قراءة تحليلية في الجذور والتحديات والفرص المستقبلية لتحديث القطاع الزراعي في ضوء الثورة التقنية .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني .. مدرب وأستاذ التنمية والإدارة

المقدمة
يُعد السودان من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية الزراعية: أراضٍ خصبة شاسعة، أنهار دائمة الجريان، مناخ متنوع يسمح بإنتاج محاصيل متعددة على مدار العام و تاريخ زراعي يمتد لآلاف السنين. لكن رغم هذه الثروة الهائلة، ظل السودان يعاني من تخلف زراعي نسبي إذا ما قورن بإمكاناته، و فشل حتى الآن في تحقيق الأمن الغذائي المستدام داخلياً أو التحول إلى قوة زراعية تصديرية عالمية.

هذا المقال العلمي يحاول تحليل الأسباب التاريخية و الهيكلية لهذا التخلف، و يشخّص الوضع الراهن بدقة، ثم يستشرف المستقبل بطرح رؤية عصرية تواكب متطلبات العصر من خلال استثمار الثورة التقنية و الهندسة الزراعية الحديثة.

أولاً: الجذور التاريخية لتخلف القطاع الزراعي في السودان
التركة الاستعمارية و السياسات الموجهة:

ركز الاستعمار على زراعة محاصيل نقدية محدودة (كالقطن في الجزيرة)، وأهمل تنمية القدرات الزراعية المتنوعة.

قيد سياسات البحث الزراعي والتطوير لصالح مصالحه الاقتصادية.

غياب الرؤية الاستراتيجية بعد الاستقلال:

تناوبت الحكومات المدنية و العسكرية دون أن تضع خططاً زراعية بعيدة المدى ترتكز على بناء القدرات البحثية و الهندسية.

هيمنة البعد السياسي على التخطيط الزراعي بدل البعد العلمي و التنموي.

ضعف منظومة البحث العلمي:

ضعف تمويل معاهد البحوث الزراعية.

هجرة العقول العلمية المتخصصة للخارج.

ثانياً: تشخيص الوضع الراهن
تفتت الحيازات الزراعية بسبب الوراثة التقليدية للملكية.

التدهور البيئي و المناخي:

التصحر.

نضوب الموارد المائية الجوفية في بعض المناطق.

ضعف البنية التحتية الزراعية:

غياب شبكات الري الحديثة.

سوء التخزين و التسويق.

غياب التمويل الزراعي الذكي و المستدام:

سيادة التمويل الموسمي قصير الأجل بدلاً من التمويل الاستثماري طويل الأجل.

عدم مواكبة التطور التقني العالمي:

ضعف استخدام التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، الزراعة الدقيقة، الروبوتات الزراعية، والهندسة الوراثية في تطوير السلالات.

ضعف التشريعات الحامية للاستثمار الزراعي المحلي والأجنبي.

غياب تكامل السياسات الزراعية مع بقية القطاعات (الصناعة، النقل، الطاقة).

ثالثاً: استشراف المستقبل في ضوء الثورة التقنية العالمية
لكي يخرج السودان من مأزق التخلف الزراعي، ينبغي أن يؤسس مشروعاً وطنياً شاملاً يعتمد على:

1. التحول من الزراعة التقليدية إلى “الزراعة الذكية”
إدخال أنظمة الري المحوري الذكي والري بالتنقيط المدعوم بالذكاء الصناعي.

استخدام الطائرات المسيّرة (الدرون) في متابعة صحة النباتات و رصد الآفات.

تطبيق أنظمة الرصد البيئي للتنبؤ بالكوارث المناخية مسبقاً.

2. تطوير سلالات وراثية عالية الإنتاجية ومقاومة للأمراض
دعم مراكز البحوث في استنباط سلالات معدّلة وراثياً تلائم المناخ السوداني.

التعاون مع المراكز العالمية لتوطين التكنولوجيا الحيوية الزراعية.

3. إعادة هيكلة نظم التعليم الزراعي
تحديث المناهج الزراعية لتواكب ثورة الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة.

إدخال علوم هندسة البرمجيات الزراعية ضمن التدريب الجامعي.

4. تحفيز الاستثمار الزراعي الخاص و الأجنبي
سن تشريعات استثمارية حديثة و جاذبة.

تكوين شراكات استراتيجية مع دول رائدة في مجال التكنولوجيا الزراعية.

5. إنشاء منصات رقمية وطنية للبيانات الزراعية المفتوحة
لتسهيل اتخاذ القرار للمزارع والمستثمر والباحث.

6. تأسيس صندوق وطني دائم للبحث الزراعي التطبيقي
بتمويل من الدولة و القطاع الخاص.

رابعاً: توصيات تنفيذية عاجلة
إعلان مشروع قومي للنهضة الزراعية الذكية في السودان (2030-2050).

إنشاء وزارة مستقلة للثورة الزراعية الرقمية بسلطات واسعة.

إعداد خارطة زراعية وطنية شاملة محدثة رقمياً.

توفير برامج تمويل ذكي مدعوم بالتكنولوجيا المالية (FinTech).

تعزيز التعاون جنوب – جنوب مع الدول الرائدة في التكنولوجيا الزراعية (الهند، الصين، البرازيل).

إطلاق مراكز إرشاد زراعي رقمي حديث لخدمة صغار المزارعين.

الخاتمة
إن تأخر السودان زراعياً ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج لتراكم سياسات قصيرة النظر وغياب الرؤية الشاملة. وإذا استطاع السودان أن يعيد هندسة مشروعه الزراعي وفق منطق العصر الرقمي، فسوف يتحول من دولة مستوردة للغذاء إلى قوة زراعية عالمية، تحقق أمنها الغذائي و تساهم في إطعام العالم.

المقالة السابقة

مدينة الصناعات الجلدية (إمكانيات كبيرة تحتاج للاستثمار) .. بقلم/ أحمد حسن الفادني

المقالة التالية

(خطاب حميدتي).. الرياح الدولية تطيح بآخر أوراق “بن زايد” .. !!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *