المقدمة:
إذا كنت تظن أن شهادتك الجامعية كافية لتضعك في الصفوف الأمامية، فأنت تعيش وهمًا كبيرًا.
في عالم اليوم، آلاف السودانيين يملكون مؤهلات مرموقة، لكنهم عالقون في وظائف صغيرة، برواتب أقل، وترقيات أبطأ، بينما الآخرون – بأقل شهادات أحيانًا – يسبقونهم إلى القمة.
المشكلة ليست في ذكائنا، فالسوداني معروف بفهمه السريع وقدرته على التحصيل العلمي، ولكن في جمودنا؛ في أننا نتفوق في الحفظ والدراسة، لكننا نفشل في تطوير أنفسنا، وصورتنا وطريقة تعاملنا مع الحياة والناس. نحن ناجحون أكاديميًا… وفاشلون مهنيًا.
صورة من الواقع
كم من طبيب، مهندس، أو إداري سوداني يملك خبرة نظرية عميقة، لكنه لم يغيّر شيئًا في أسلوب حياته أو مظهره أو طريقته في التواصل! يظل محاصرًا في قوالب قديمة، غير قادر على إعادة تقديم نفسه للعالم.
وعندما يدخل إلى بيئة عمل دولية، يكتشف أن المنافسة ليست في الشهادة، بل في الحضور الشخصي، والمهارات العملية، والقدرة على التكيف. هنا يتقدم الآخرون بينما نتراجع نحن.
والأغرب أننا نحتفل أحيانًا بإنجازات متواضعة جدًا وكأنها فتح مبين، مثل الحصول على وظيفة صغيرة في مؤسسة دولية، بينما في المعايير العالمية هذه مجرد بداية بسيطة. كما يقول المثل: “الطشاش في بلد العمى شوف”.
لماذا يحدث هذا؟
الحقيقة أن هناك فجوة واسعة بين التعليم الذي نتلقاه، وبين متطلبات الواقع المهني. التعليم في السودان – في أغلبه – يهيئنا لنكون “ناجحين في الامتحان”، لكنه لا يهيئنا لنكون “ناجحين في الحياة”.
نحن ندرس لنحصل على الدرجة، لا لنتقن المهارة. نحفظ المقرر، لكننا لا نتعلم كيف نحل المشكلات أو نقود فريقًا أو نتعامل مع الثقافات المختلفة.
كما أن هناك عوامل ثقافية ونفسية تعمّق المشكلة:
- الرضا بالموجود والخوف من التغيير: كثير منا يفضل البقاء في منطقة الراحة، حتى لو كانت مملة أو غير مربحة، بدل المغامرة بالتطوير.
- التقييم بالمظاهر لا الجوهر: نبحث عن الألقاب والمناصب أكثر من السعي للإنجاز الحقيقي.
- غياب التخطيط الشخصي: قليل منّا من يضع خطة لتطوير نفسه مهنيًا ولغويًا وتقنيًا على المدى الطويل.
انعكاسات الفجوة على سوق العمل
في دول الخليج، حيث المنافسة شديدة، يتقاضى كثير من السودانيين رواتب أقل من نظرائهم من جنسيات أخرى، ليس لأنهم أقل ذكاء، بل لأن السوق يقيم القدرة على الإنجاز، وإتقان اللغات، ومهارات التواصل، وبناء الصورة المهنية.
أذكر أنني رأيت زملاء من جنسيات أخرى، التحقوا بنفس الوظيفة التي يشغلها السوداني، وبعد سنوات قليلة أصبحوا مدراء، بينما السوداني ظل في نفس الموقع. الفارق كان واضحًا: هم يستثمرون في أنفسهم، يطورون مظهرهم، يحضرون دورات، يوسعون شبكات علاقاتهم، بينما نحن نكتفي بما تعلمناه منذ الجامعة.
الجذور العميقة للمشكلة
- تعليم أكاديمي منفصل عن السوق: لا يعكس احتياجات الواقع، ولا يدرّب على المهارات العملية.
- ضعف الذكاء العاطفي والاجتماعي: قلة الوعي بكيفية إدارة النفس وفهم الآخرين.
- التمسك بالماضي: عقلية تعيش على ذكريات الجامعة أو المدينة أو القرية، ولا تتأقلم مع الحاضر.
- الانشغال بالقشور: مجاملات اجتماعية، أحاديث فارغة، ألقاب فخمة بلا إنجاز.
- غياب ثقافة التعلم المستمر: العالم يتغير بسرعة، ونحن لا نلاحق هذا التغير.
طريق التغيير
- تعلم فنون الحياة: الذكاء العاطفي والاجتماعي ليس رفاهية، بل أساس للنجاح.
- تحديث الذات باستمرار: في المظهر، أسلوب الحديث، طريقة التفكير، وأدوات العمل.
- المقارنة بالعالم لا بالمحيط المحلي: حتى نعرف حجم الفجوة الحقيقية.
- إتقان لغات ومهارات جديدة: خاصة في مجالات التكنولوجيا والقيادة.
- ثقافة الإنجاز لا الوهم: الاحتفال فقط بما يتوافق مع المعايير العالمية، لا بالمستوى المحلي المحدود.
رسالة شخصية لكل شاب سوداني
يا من تقرأ هذه السطور الآن، لا تجعل شهادتك هي سقفك، ولا تسمح للماضي أن يكون قيدك. نحن جيل أمامه فرصة تاريخية، لكن العالم لن يفتح لنا الباب لمجرد أننا “نستحق”، بل لأنه يرى فينا إضافة حقيقية.
لا تنتظر أن تتغير الظروف، بل غيّر أنت نفسك أولًا:
- غيّر طريقتك في التفكير.
- استثمر في مظهرك وحضورك وثقتك بنفسك.
- وسّع أفقك باللغات، والتقنية، وفنون التعامل مع الناس.
- ابنِ شبكة علاقات تفتح لك أبوابًا لم تكن تعرف أنها موجودة.
تذكّر: في سباق الحياة، من لا يركض إلى الأمام، يتراجع تلقائيًا إلى الخلف. العالم لا يرحم الكسالى، والنجاح لا ينتظر المترددين. إما أن تصنع مكانك، أو ستعيش باقي عمرك تصفق للآخرين وهم يصنعون أمجادهم.
