رحل عنا اليوم (وطن القماري) المبدع الفنان عبدالقادر سالم (تبلدي) المكان، وطنيّ الشجن والإبداع، وكردفاني الهوى، و أسير أمدرمان مسكنًا، و(بحري) الهوى عبر جذوره بمنطقة (النية) شمال بحري، و(حوازمي) الأم والأمان وتشكلت شخصيته ما بين (العمراب) والنيل الأبيض والأبيض (عروس الرمال) ليتدفق حنّا لأهل السودان الحبيب.
ورحل وهو يعتصر الألم والحزن على ما أصاب البلد من جروح، وندوب، وحروب، ونزوح، وتنكيل، ومحاولة اختطاف واغتيال الذكريات قبل الأرواح والأوطان، وسرقة الأفراح من عيون الأطفال والنساء والشيوخ، وضياع الأمنيات بسد الرمق بالمال الحلال والستر، والصلاة في مساجد التقوى، والاستغفار وإيقاد (تقابة) الخلاوى ودعاء ختم القرآن المجيد.
رحل وترك لنا الحزن على أهلنا بدارفور وكردفان، ورتل من الشهداء، و الآلاف من مشاهد الرحيل والأحزان، وتغيير في ملامح الوطن الحزين الذي يمسح دموعه جنوده البواسل من القوات المسلحة، والمستنفرين، و(المشتركة) و(الدراعة) و(البراؤون) وهم علي مدار الساعات من الفجر ومغيب الشمس يقدمون لنا الفأل بالانتصارات والتحرير، كيف لا والسودان أصبح هو العرس الأكبر للوحدة والتماسك والانصهار والاحتواء عبر معسكرات (العفاض) النموذج السامي للمعسكرات التي احتوت أهلنا الأحباب من دارفور بحب منقطع النظير، حتى العاملين من منظمات الإغاثة بكوا وأثبتوا وعرفوا أن هنالك قلوب إنسانية لا تعرف القسوة، وأيادٍ بيضاء تمسح الدموع من عيون الصغار والنساء، لكنها لا تستطيع أن تنزع الذكرى، والعويل، والصراخ، وصوت المدافع والجنجويد.
ونقول لك هي الأقدار في الاختبار والتحدي بأن نكون أو لا نكون في خارطة العالمين من دول أطربتها بصوتك الشجي، وحديثك الثرّ عن ثقافة السودان وفنونه وحضارته و إرثه الإنساني وحلمه في فرنسا، وبريطانيا، واليابان، ويوغندا وغيرها.
وكل الدعوات لك بالرحمة والمغفرة والعتق من النار أنت ومن رحلوا في هذا الزمان والتوقيت، قد خلفتم لنا معينًا من الحزن لن ينضب، ولكن عزاؤنا الوحيد أنكم من كتبتم على تاريخ السودان الحبيب المجد والخلود.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.


