يواجه السودان اليوم مفترق طرق تاريخي وأكثر تعقيدًا لتراكم الأزمات الاقتصادية و السياسية، فبينما تضغط التحديات الجيوسياسية والأزمات الداخلية على مفاصل الدولة يظهر لنا التساؤل الجوهري (أين يكمن طوق النجاة؟) فالإجابة الأكثر موضوعية تشير بوضوح إلى الأرض!!! فمستقبل السودان الاقتصادي ليس رهنًا بالمعونات الدولية، إنما بمدى قدرته على تحويل ميزاته التفضيلية في القطاع الزراعي من إمكانات كامنة إلى قوة إنتاجية حقيقية تظهر لنا في النقاط التالية:
أولًا: القطاع الزراعي: العمود الفقري والمحرك الأساسي للاقتصاد فالزراعة في السودان لا تعتبر قطاع اقتصادي فحسب، إنما هو صمام أمان للأمن الغذائي الإقليمي وذلك بوجود أكثر من 170 مليون فدان صالح للزراعة وتنوع مناخي فريد ويمتلك السودان القدرة على قيادة طفرة اقتصادية عبر قطاعاته الفرعية:
– الزراعة المروية: تمثل حجر الزاوية للمشاريع الكبرى (كالجزيرة والرهد و السوكي وغيرها من المشروعات) وهي كفيلة بتوفير المحاصيل النقدية وتغذية الصناعات التحويلية.
– القطاع المطري (الآلي والتقليدي): وهو المنتج الرئيس للحبوب (الذرة والدخن) والمحاصيل الزيتية والصمغ العربي ويحتاج إلى تحويله من نمط المعيشة إلى نمط الاستثمار.
– الثروة الحيوانية: يمتلك السودان واحدًا من أكبر القطعان في أفريقيا، وتفعيل هذا القطاع يعني الانتقال من تصدير الماشية الحية إلى تصدير اللحوم المصنعة ومنتجات الألبان ذات القيمة المضافة العالية.
ثانيا: تفعيل المشروعات الاستراتيجية…من التعثر إلى الانطلاق
إن إعادة إحياء المشروعات القومية مثل مشروع الجزيرة ومؤسسات النيل الأزرق والأبيض و دلتا طوكر و السوكي و حلفا الجديدة وغيرها ليست مجرد عملية إصلاح زراعي فقط إنما هي عملية لإعادة هيكلة للاقتصاد الكلي. و التفعيل يتطلب:
1. تحديث نظم الري: الانتقال من الري الانسيابي التقليدي إلى تقنيات الري الذكي لتقليل الفاقد المائي وزيادة الإنتاجية.
2. شراكات بين القطاع العام و الخاص (PPP): بتفعيل صيغ الشراكة بين القطاع العام والخاص لجذب رؤوس الأموال والتكنولوجيا الحديثة.
3. المناطق الاقتصادية الزراعية: تحويل مناطق الإنتاج إلى مناطق صناعية زراعية متكاملة (Agro-Industrial Hubs) بحيث يتم تصنيع المنتج في موقع إنتاجه.
ثالثا: الاستراتيجيات والسياسات المطلوبة للتحول:
لإنجاح هذا المسار لا بد من تبني حزمة سياسات شجاعة ومبتكرة تتجاوز الحلول الترقيعية أو المؤقتة و متمثلة في:
1. إصلاحات هيكلية وتشريعية: وضع قانون استثمار يحمي المستثمر والمنتج الكبير و الصغير على حد سواء مع تبسيط إجراءات تمليك الأرض وضمان استدامتها.
2. التمويل الزراعي المبتكر: إنشاء صناديق أو محافظ استثمارية سيادية متخصصة في التنمية الزراعية وتفعيل دور البنوك في تمويل سلاسل القيمة بدلا من تمويل عمليات الشراء والبيع فقط.
3. التحول الرقمي (AgroTech): إدخال التكنولوجيا في مراقبة المحاصيل التنبؤ بالمناخ وإدارة الأسواق لربط المنتج السوداني بالبورصات العالمية مباشرة.
4. البنية التحتية اللوجستية: لا يمكن نجاح الزراعة دون شبكة طرق صوامع تخزين متطورة وموانئ تصديرية كفؤة تقلل من نسبة الفاقد بعد الحصاد التي تصل حاليا لمستويات مقلقة.
وفي ختام هذا المقال نحاول أن نبسط رؤية السودان المستقبلية الاقتصادية مرهونة بقدرتنا على جعل الزراعة مهنة جاذبة ومربحة، فإن التحول من دولة تعتمد على تصدير المواد الخام إلى دولة رائدة في التصنيع الزراعي هو المسار الوحيد لامتصاص البطالة واستقرار العملة الوطنية وتحقيق السيادة الغذائية.
السودان لا يحتاج إلى معجزات بل يحتاج إلى إرادة سياسية تضع الزراعة في قمة الأولويات وإدارة اقتصادية تؤمن بأن النهضة تبدأ من تحت سنبلة القمح ومن قلب حقول القطن.


