1️⃣ هناك موروث إفريقي يعود لقبيلة “Herero” أشهر القبائل الأفريقية التي واجهت أول حالات الإبادة الجماعية في القرن العشرين، تقول فيه “القوى الكبرى لا تشن الحروب بل تتلاعب بالسلام”.
2️⃣ المتتبع لعدد اجتماعات مجلس الأمن حول السودان سيجد أنه ومنذ ٢٥ أبريل ٢٠٢٣ (أي بعد بداية التمرد على الدولة السودانية الوطنية بعشرة أيام) حتى يونيو الماضي من العام الجاري أن هناك تسعة اجتماعات ما بين اجتماعات مفتوحة ومغلقة، فما الذي سيسفر عنه الاجتماع العاشر؟
3️⃣ ما حدث مؤخراً من تطورات ميدانية هامة في محور عمليات شمال كردفان من بسط سيطرة الجيش السوداني على “جبرة الشيخ” ومدينة “بارا”، أما في فاشر السلطان فنجحت القوات المسلحة السودانية من تحييد مجموعة من ميلشيا الدعم السريع المتعددة الجنسيات بالإضافة إلى تحييد مجموعة من المرتزقة القادمين من خارج السودان، وهذا قطعاً سينعكس على اجتماعات مجلس الأمن الدولي المزمع عقدها اليوم بخصوص مستجدات التصعيد في كردفان ودارفور، صحيح أن اجتماع اليوم لن يسفر بجديد، ولو خرج ببيان فهو سيندد فيه باستمرار المعارك وجرائم الحرب، واستمرار حصار مدينة الفاشر والكارثة الإنسانية التي تمر بها، ولكن الاجتماع في حد ذاته يحمل في طياته دلالة سياسية فهو يحمل مهمتين:
🔆المهمة الأولى: محاولة لإرباك المشهد الداخلي السوداني الذي يسير مسرعاً وبثبات في صالح قيادة الدولة الوطنية السودانية، وهذا ما تعمل لأجله الإرادة الدولية “واشنطن” قبل شهر سبتمبر المحدد لاجتماع الرباعية، والذي تمني فيه نفسها بقرب حسم المعارك العسكرية بين الجيش السوداني وميلشيا الدعم السريع لصالح الأخيرة وسقوط الفاشر بيد الميلشيا حتى يتسنى لها رسم خارطتها المستقبلية في منطقة القرن الأفريقي وجنوب وادي النيل.
🔆 المهمة الثانية: مهادنة الشارع السوداني الذي اختار الإنحياز للقيادة الوطنية الممثلة للشعب ومؤسساته الشرعية، فالإرادة الدولية تدرك تنامي الوعي السياسي الذي بات عليه الشعب السوداني باختلاف توجهاته وانتماءاته العرقية، وهي تدرك بإن ما حدث بعد ١٥ أبريل ٢٠٢٣ وما أفرزه من تحديات شكلت واقع سوداني جديد لم يحسب حسابه، وهو ما فرض عليها اليوم المماطلة المغلفة بغلاف المهادنة، فهي تريد كسب مزيد من الأوراق في الشارع السوداني ولا تريد استفزازه، فهي وحدها تدرك ما سيسفر عن ذلك لو حدث، فعودة قوة ارتداد الموجة الشعبية والتي بلا شك ستعصف بالكثير إذا عادت، فهي قطعاً ستجبر الجميع للعودة لمربع الصفر الذي يتجنبوه وهو عودة السودان لما قبل ٢٠١٩، وفي ذات الوقت فهي وإن كانت راغبه إلا إنها لا تريد الظهور بصورة داعمة لحكومة موازية شكلتها ميلشيا متعددة الجنسيات، تدرك تماماً أن الاعتراف بها سيقود لعواقب وخيمة ليست مستعدة لدفع ثمنها ولا تحمل كلفتها السياسية والأمنية.
4️⃣ تدرك قيادة ميلشيا الدعم السريع بإن لن تقوم لها قائمة إلا بسقوط الفاشر في براثنها وهذا لم يتحقق في أوج قوة ميلشيا الدعم السريع وسيطرتها على الأرض، ولا حتى أثناء جولة قائدها حميدتي لدول الجوار الإقليمي للسودان في يناير ٢٠٢٤، ومثلما تدرك ميلشيا الدعم السريع تلك الحقيقة يدرك المجتمع الدولي باختلاف رؤاه السياسية حول الأزمة السودانية بأن هناك وجهة نهائية باتت تلوح في الأفق لسودان جديد بلا مليشيات، رديفه هذه المرة ليس معنوياً بل عملياً يبدأ من الخرطوم وينتهي في سواحل الأطلسي غرباً، والمتتبع لسير العمليات الأمنية الاستخباراتية في تلك المنطقة سيدرك مكامن الاختلاف والتوافق بين الأطراف الدولية حول الأزمة السودانية.
5️⃣ ما هي معضلة الأمن الدولي في السودان؟!
🛑 تقول بعض الأكاديميات الفرنسية انه وفي منتصف سبتمبر من عام ٢٠١٣ اجتمع وزير الخارجية الأمريكي آنذاك “جون كيري” مع وزير الخارجية الفرنسي “لوران فابيوس” بحضور وزير الخارجية الفرنسي الأسبق “برنار كوشنير” وتزامن ذلك الاجتماع بتصاعد موجة الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها الخرطوم ومدن سودانية أخرى وكان الوضع يهدد بالانفجار بسبب قرار الحكومة السودانية بقيادة الرئيس عمر البشير رفع الدعم عن المحروقات والذي أدى إلى ارتفاع الأسعار، وكان المجتمع الدولي متمثلاً بالإرادة الدولية “واشنطن” يعد العدة لإعادة تشكيل السودان ومنطقة القرن الإفريقي قاطبة – فمشروع القرن الأفريقي الجديد الذي ظل محبوساً في الأدراج الاستخباراتية منذ عام ١٩٩١ لن يتحقق إلا عبر الخرطوم – فبدأ “كيري” الحديث قائلاً “حاول السودان إيجاد لغة حوار معنا ولكنه توقف بعد ما أدرك أن كلفة ذلك قد يدفعها من مستقبله إذا تم إسقاطه من الخارج، فقبل الإنقاذ كنا ندعم الصادق المهدي رغم فشل مسيرته السياسية فلقد طرد مرتين، واحده عام ١٩٦٩ والثانية عام ١٩٨٩ ولكن لم يترك لنا سودان الإنقاذ فرصة لتكرار ذلك، ولكن اليوم تبدو الخرطوم شبه مهيئة للتغيير”، فرد عليه “فابيوس” والذي كان معروفاً عنه أنه يحمل رؤية سياسية أمنية واستخباراتية تجاه السودان تحديداً والتي تمثلت في مشروع ما يطلق عليه بالفرنسية “l’espace sahélien” وتعني باللغة العربية “محيط الساحل” قائلاً: “سقوط عمر البشير ليس سهلاً، واستمرار الإنقاذ في الحكم حتى الآن يجب أن نضعه في عين الاعتبار، ولا ضرر من التعامل معه خاصة أنه أبدى تعاوناً مع باريس منذ عام ١٩٩٤ ونال بذلك رضى المجتمع الدولي، ويجب أن نعترف أن البشير ليس المهدي”، لتأتي مداخلة “كوشنير” قاطعة وتم ختم الاجتماع بها بدون نتيجة أو بمعنى أصح بدون اتفاق قائلاً: “الدول المالكة للحضارات لا تُغتال بل تنتحر، والسودان مشكلته أن فكرة الدولة لم تتجذر في وجدان معظم نخبه، وهذه المعضلة التي يواجهها السودان هي ذات المعضلة التي تواجه دبلوماسينا في التعمق لفهمها”.
🛑 من حسن حظي أنني كنت شاهد عيان للحالة العامة السودانية التي سبقت وتلت ذلك التوقيت الذي بدأ فيه الإفصاح الدولي حول مستقبل سودان البشير، ولا أقول التوقيت الذي بدأت فيه تتشكل الرؤية الدولية حول سودان البشير، لأن تلك الرؤية لم تكن فقط في إدراك المجتمع الدولي بل كانت محل اهتمام لكبرى الأجهزة الأمنية و أعتى الشبكات الاستخباراتية الدولية، بدءاً من شبكة “AMI” والتي بدأت عملها منذ عام ٢٠٠٤ وتم طردها عام ٢٠٠٩، ورغم أنها أعادت تشكيل هياكلها الداخلية عام ٢٠١١ إلا إنها لم تتجزء أن تكرر عبثها في السودان إلا في عام ٢٠٢٠ لتأتي متخفية في ثوبها الجديد تحت اسم “PUI”، مروراً بما يعرف اليوم بـ “DTI” الأمريكية والتي كانت تعمل قبل عام ٢٠١٩ كواجهات أوروبية مثل “NED” و”NDI” والتي كانت جميعها تعمل على تمهيد خط سير نشاطها قبل الثورة السودانية، وفي ذات الوقت كانت تعمل لتكوين ملفات لشخصيات سودانية نافذة، وما إقالة “طه عثمان أحمد الحسين” المدير السابق لمكتب الرئيس البشير بقرار سياسي وما أعقبته من أحداث درامية والتي لم تكن خافية عن أبسط مواطن سوداني منها ببعيد، خاصة بعد رؤية “طه عثمان” وهو يصول ويجول شرقاً وغرباً سعيداً بدوره كأداة طيعه في مسيرة التقاذف يمنة ويسرى التي مارسته عليها كافة الأجهزة الأمنية الأجنبية، والغريب شعوره المستمر بالاستمتاع والمواصلة، ولكن شعورنا بالغرابة ينتهي بعد أن نعي أن هناك فرقاً بين شخصية فكرية مستقلة اختلفنا أو اتفقنا معها، وبين شخص خدمه تملقه وخنوعه وطمعه في الوصول إلى ما وصل إليه، فالفرق كبير بين المرتكز الذي يراه صاحبه إحياءً يستحق الموت لأجله وبين الهاوية التي تدفع المرء دفعاً أن يهرول إليها مسرعاً ظناً منه أنه سيشكل فارقاً في ذاكرة شعوب دأبت منذ بدء الخليقة ألا تتذكر الهاوية بمقدار ما تتذكر كمية المتساقطين فيها مع قناعتي الكاملة بحرية الاختيار التي حبانا الله بها كبشر لنا مطلق الحرية باختيار ما الذي نريد أن نكون عليه لا ما نُجبر على فعله، فلا إجبار في الاستقامة الأخلاقية ولا إجبار في ركّلها وقس على ذلك.
6️⃣ سيواصل مجلس الأمن عقد اجتماعاته حول السودان ما دامت هناك رؤية حقيقية للقيادة السودانية في بناء سودان جديد بلا مليشيات، وما دامت هناك عقيدة عسكرية أصبحت بمثابة الطريق الوحيد لاسترداد الدولة السودانية الوطنية كاملة، وما دامت القيادة السودانية مستمرة في إلجام المحيط الإقليمي والدولي، وما دام الشعب السوداني ماضٍ في استئصال كافة الأدوات المقوضة لسيادة الدولة الوطنية.
