أولًا: بعد التهنئة بالمنصب والدعاء بالتوفيق، نقول أنه من فوائد كبر السن، والعمل الطويل في أروقة الحكومات أنه لا يتم تعيين أي مسؤول كبير إلا وتكون لشخصنا معرفة به ،إلا ما ندر، ولذلك فإنه ليس بمستغرب أن تكون لي معرفة بالنائب العام الجديد ،بل بوالدها وجدّها، رحمهما الله.
ثانيًا: ولكن ذلك ليس هو موضوعنا بل جاء عفو الخاطر، لأن حكمنا علي المسؤول الحكومي، وهو الموضوع الأهم، يكون ابتداءً بما يقول، ثم بما يفعل حتى نطمئن إلى أنه ليس من بين الذين يقولون ما لا يفعلون فيكبر مقتهم عند الله سبحانه وتعالى.
ثالثًا: وفي أولى كلمات النائب العام الجديد قالت بما يقول به النواب العامون، الذين سبقوها علي المنصب ،منذ الاستقلال، ابتداءً بالعتباني رحمه الله.
رابعًا: أما الجديد في كلمتها فهما موضوعان، أتمنى أن تعض عليهما بالنواجز، وتضعهما موضع التنفيذ، فإن فعلت كانت محل دعمنا وإشادتنا، و إن حادت عنهما أو تجاهلتهما لن تجد منا إلا الانتقاد والنصيحة، والموضوعان هما:
١. الموضوع الأول:
عزم النائب العام الجديد على محاربة الفساد، لأننا سبق أن قلنا أن ذلك من اختصاصات النائب العام الأصيلة، وأن أي محاولة لإعطاء ذلك الاختصاص لمفوضية محاربة الفساد أو أي جهة أخرى لن يفلح أبدًا، ولقد اثبت الواقع منذ أواخر أيام حكم البشير وحتي اليوم صدق ما ذهبنا إليه، وبالإضافة إلى ذلك نلفت نظر النائب العام الجديد ليس فقط لإيلاء ذلك الجانب أهمية قصوى فحسب، بل نلفت نظره إلى أمرين آخرين وهما:
أ- أن الفساد عندما يستشري، مثلما هو حادث الآن في السودان منذ أيام حكم البشير وحتي الآن، علي الرغم من أن محاربة الفساد كانت هي أحد أهم أهداف ثورة ديسمبر 2018، فإن محاربته تتطلب خبرة ودراية وحكمة، لأنه يكون له أسنان يعض ويهدد بها، وأموال ضخمة يغري بها والشاهد ماثل أمام أعيننا، إذ أنه حتى الآن لا يوجد مسؤول استطاع محاربة الفساد الذي يدري به كل مواطن.
ب- إن نسبة كبيرة جدًا جدًا من الفساد هي فساد مقنن لا يطاله القانون الجنائي، ويتطلب تعديل قوانين الهيئات، والمؤسسات، والبنوك والشركات العامة، ليس لسلب المرونة، التي يتطلبها عمل تلك الجهات، ولكن لجعل التصرفات المالية، تتم بموافقة مكتوبة من وزارة المالية الاتحادية، لأنه علي سبيل المثال لا يستقيم أن تسمح قوانين تلك الجهات صرف حوافز سنوية لمجلس الإدارة والعاملين تفوق جملتها الميزانية السنوية لتسيير وزارة المالية الاتحادية ذات نفسها.
٢.الموضوع الثاني:
وهو موضوع فكري تأصيلي ، لم يسبق أن انتبه له أحد من القانونيين من قبل وهو وضع المبدأ الغربي الأشهر : “سيادة حكم القانون” في خدمة تحقيق “العدل” ، الذي يأمر به الله سبحانه وتعالى، ويردده الأئمة في خطب الجمعة ، خاصة و أن القوانين قد لا تكون عادلة بطبيعتها، ولذلك هي تخضع للتعديل والإلغاء في كل الأنظمة القانونية في العالم ، ولكن ذلك بحر عميق جدًا، يستحيل سبر أغواره في مثل هذه المنشوارت المقتضبة بطبيعتها.
خامسًا: وقبل أن اختم هذا المنشور أوضح بأننا قد قدمنا مقترحًا منذ العام 2013 لجعل السودان خال من الفساد في أقل من شهرين وأعدنا تقديمه لحكومة حمدوك، ثم أعدنا تقديمه لحكومة الأمر الواقع، ولكن لا أحد أولاه اهتمامًا، ونتمنى ألا يكون السبب هو القوة التي يمتلكها الفساد والتي أشرنا لها أعلاه.

