مقدمة:
رغم الحظر الأوروبي المفروض على تصدير الأسلحة إلى السودان، كشف تحقيق استقصائي بواسطة (فريق فرانس ٢٤) عن مسار غير قانوني لشحنة قذائف هاون بلغارية الصنع انتهت في أيدي مليشيا الدعم السريع وسط حرب دامية تعصف بالبلاد منذ أكثر من عام.
في خرق واضح للحظر الأوروبي على تصدير السلاح إلى السودان، كشفت أدلة ميدانية موثقة أن شحنة من قذائف الهاون، أُنتجت في بلغاريا و تم تصديرها إلى شركة إماراتية، وجدت طريقها إلى مليشيا الدعم السريع التي تخوض حرباً ضارية ضد الجيش السوداني منذ أبريل 2023.
شركة صغيرة، صفقة بملايين اليوروهات
المصدر الأولي للشحنة هي شركة بلغارية تدعى ARM-BG، لا يتجاوز عدد موظفيها الأربعة، ورغم ذلك حصلت عام 2019 على ترخيص لتصدير قذائف هاون بقيمة 47 مليون يورو إلى شركة إماراتية تُعرف باسم (إنترناشونال غولدن قروب) (IGG)، وهي مقاول رئيسي للجيش الإماراتي.
وفقاً للوثائق الرسمية، تعهدت IGG بأن السلاح مخصص “حصرياً للقوات المسلحة الإماراتية”، ما مهد الطريق أمام بلغاريا لإعطاء الضوء الأخضر للتصدير، استناداً إلى ما يعرف بـ”شهادة المستخدم النهائي”.
شركة إماراتية بملف حافل
غير أن شركة IGG ليست حديثة العهد في هذا المجال، إذ ورد ذكرها في عدة تقارير أممية خلال العقد الأخير، اتهمتها بإعادة تصدير أسلحة إلى دول و مجموعات مسلحة في ليبيا و اليمن و سوريا، في مخالفة للقرارات الدولية.
هذه الخلفية أثارت تساؤلات حول قرار بلغاريا بالموافقة على تصدير السلاح عبر وسيط ذي سجل مثير للجدل، في وقت تزداد فيه المطالبات الدولية بتشديد الرقابة على تدفق السلاح إلى مناطق النزاع.
الدليل الميداني في السودان
في أغسطس 2023، ظهرت على الإنترنت صور و مقاطع فيديو من دارفور تظهر عناصر من مليشيا الدعم السريع بحوزتهم قذائف هاون من طراز مطابق لما تم تصديره عبر الصفقة البلغارية.
تحقيق رقمي أجرته “فرانس 24 – مراقبون” نجح في مطابقة الأرقام التسلسلية و الرموز على القذائف، مؤكدًا أنها من إنتاج ARM-BG عام 2020.
يُذكر أن السودان يخضع لحظر تسليح من الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004، ما يجعل وصول هذه القذائف خرقًا مباشرًا للقانون الدولي.
الردود الرسمية: صمت و تحفّظ
حتى الآن، لم تُصدر الحكومة البلغارية أي توضيح حول الصفقة، رغم توجيه أسئلة رسمية من صحفيين و منظمات رقابية. من جانبها، تؤكد الإمارات أن الشحنة لم تغادر أراضيها، وفقًا للوثائق الجمركية بينما تشير الأدلة إلى العكس تمامًا.
ثغرات قانونية و مسؤوليات غائبة
تعليقًا على هذه القضية، قال محللون إن استخدام وسطاء كشركات خاصة في دول الخليج أصبح وسيلة متكررة للتحايل على أنظمة الحظر، مع غياب أي مساءلة فعلية. ويبدو أن شهادة “المستخدم النهائي”، رغم أنها شرط قانوني، لا يتم التحقق من مصداقيتها ميدانيًا في كثير من الأحيان.
الأبعاد القانونية لقضية الأسلحة البلغارية
الأبعاد القانونية في هذه القضية متعددة ومعقدة، وتمس قوانين دولية ومحلية واتفاقيات ثنائية، ويمكن تحليلها كما يلي:
* خرق الحظر الأوروبي المفروض على السودان:
الاتحاد الأوروبي فرض حظرًا شاملًا على تصدير الأسلحة إلى السودان منذ عام 2004 بموجب قرارات متتالية من مجلس الاتحاد الأوروبي. هذا الحظر يشمل:
○الأسلحة التقليدية و مكوناتها.
○الذخائر و العتاد العسكري.
○الدعم الفني و المالي المتعلق بالأسلحة.
الوصول المؤكد لهذه القذائف إلى مليشيا الدعم السريع يُعد خرقًا مباشرًا لهذا الحظر، حتى وإن تم عبر وسيط ثالث (الإمارات)، لأن المسؤولية القانونية تمتد لتشمل المصدر الأول (بلغاريا) إذا لم تتخذ تدابير كافية للتحقق من الوجهة النهائية.
* التلاعب بشهادة “المستخدم النهائي”
تُعد شهادة المستخدم النهائي (End User Certificate) شرطًا أساسيًا في صفقات تصدير السلاح، ويجب أن تضمن أن الدولة أو الجهة المستلمة للسلاح لن تعيد تصديره أو تحويله لجهة أخرى بدون موافقة الدولة المُصدِّرة.
في هذه القضية، تم تقديم شهادة تفيد بأن السلاح “مخصص للاستخدام الحصري من القوات المسلحة الإماراتية”.
إذا ثبت أن الإمارات أعادت تصديره دون إخطار بلغاريا أو حصل تهاون في التأكد من الوجهة النهائية، فذلك يعد خرقًا قانونيًا دوليًا.
* مسؤولية الشركات المصنعة و المصدرة
وفقًا للمعايير الدولية، و خاصة “معاهدة تجارة الأسلحة” (ATT) التي دخلت حيز التنفيذ عام 2014 و وقّعت عليها بلغاريا، فإن الشركات المصدّرة للأسلحة ملزمة قانونيًا بتحليل مخاطر التحويل غير المشروع قبل الموافقة على أي صفقة، بما في ذلك:
□تقييم احتمالات استخدام السلاح في انتهاكات حقوق الإنسان.
□احتمالية تحويله إلى جهة غير مصرح لها.
□وجود سجل وسطاء سابق في انتهاك قرارات الحظر الدولي (مثل IGG الإماراتية).
إذا لم تقم الشركة البلغارية أو الحكومة البلغارية بمراجعة كافية، فقد تكون مسؤولة قانونياً عن الإهمال.
* المسؤولية الإماراتية
إذا ثبت أن شركة IGG الإماراتية خالفت شروط شهادة المستخدم النهائي، فإن المسؤولية تقع على عاتقها أيضًا، وفقًا للآتي:
◇القانون الدولي العرفي و اتفاقيات مكافحة الاتجار غير المشروع بالأسلحة.
◇احتمال تورطها في نقل أسلحة إلى جهة منخرطة في صراع داخلي (الدعم السريع) يُعد خرقًا للقرارات الدولية المتعلقة بحظر تسليح الجماعات غير الحكوم.
* جرائم الحرب ودور المحكمة الجنائية الدولية
إذا استُخدمت هذه القذائف في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية – كما هو الحال في عدة تقارير عن انتهاكات الدعم السريع في دارفور و الخرطوم و الجزيرة – فقد تُستخدم هذه الأدلة في:
♤محاكم دولية كمحكمة الجنايات الدولية (ICC).
♤إجراءات محلية أو إقليمية تستند إلى مبدأ “الولاية القضائية العالمية”، الذي يسمح بمقاضاة جرائم خطيرة خارج الحدود.
خلاصة الأبعاد القانونية:
☆خرق واضح لحظر التصدير الأوروبي.
☆فشل في التحقق من المستخدم النهائي، بما يشكل إهمالًا قانونيًا.
☆إمكانية فتح تحقيق دولي في الاتجار غير المشروع.
☆التورط في جرائم حرب و ذلك لثبوت استخدام السلاح ضد مدنيين فى مناطق كثيرة آخرها معسكر زمزم للنازحين.
خاتمة:
تجارة السلاح أقوى من الحظر؟
تسلط هذه القضية الضوء على خلل خطير في نظام الرقابة العالمي على صادرات الأسلحة. فعلى الرغم من وضوح القوانين، يظل التنفيذ ضعيفًا، و المساءلة غائبة، بينما تستمر الأسلحة بالتدفق إلى مناطق النزاع مؤججة الصراعات و معاناة المدنيين.
وصول الأسلحة البلغارية بواسطة الحكومة الإماراتية إلى مليشيا الدعم السريع و استخدامها فى جرائم الإبادة الجماعية و انتهاكات القانون الدولى الانسانى يعتبر جريمة مكتملة الأركان و البينات و على حكومتنا الاسراع فى تقديم هذا الملف إلى محكمة الجنايات الدولية بأسرع ما يمكن حتى تتم محاسبة كل المتورطين أفرادًا أو جماعات أو شركات.
من بلغاريا إلى معسكر زمزم كيف وصل السلاح الأوروبي إلى مليشيا الدعم السريع؟ بقلم/ لواء دكتور ركن (م) سعد حسن فضل الله .. أستاذ العلاقات الدولية
المقالة السابقة

