حين انهارت القومية العربية لم يكن سقوطها مجرد تعثر مشروع سياسي بل انكسار حلمٍ جمعيّ عريض راهن الناس عليه بوصفه طريقهم إلى التحرر والكرامة واستعادة الذات غير أن التجربة في معظم تجلياتها انحرفت سريعا نحو دولة أمنية مغلقة ترفع رايات الوحدة والتحرر بينما تمارس الإقصاء والقمع وتختزل الأمة في زعيم أو حزب عندها لم تسقط القومية وحدها بل سقط معها المعنى وبدأ الفراغ الأخلاقي يتسع.
في هذا الفراغ تقدم الفكر الإسلامي إلى الواجهة لا بوصفه مجرد بديل سياسي، بل باعتباره خزّانًا أخلاقيًا ورمزيًا متجذّرًا في الوجدان الشعبي، وقادرًا نظريًا على إعادة الاعتبار لقيم العدل والحرية ونصرة المستضعفين، غير أن هذا الصعود لم يكن معزولًا عن السياق الدولي ولا بريئًا من تدخلات الخارج الذي لم ينظر يوما بعين الحياد لأي مشروع مستقل في المنطقة قوميًا كان أو إسلاميًا.
فكما حوربت القومية العربية، وحوصرت تجاربها واستدرجت إلى عسكرة الدولة وتحالفات مدمرة جرى التعامل مع الحركات الإسلامية بالمنطق نفسه؛ الاحتواء حينًا والتوظيف حينًا، ثم الاستنزاف والإقصاء متى ما خرجت عن الدور المرسوم لها. تدخلات إقليمية، وضغوط دولية، وانقلابات ناعمة وخشنة وحروب بالوكالة كلها ساهمت في تشويه التجربة قبل أن تنضج، ودفعها أحيانًا إلى خيارات كارثية تحت ضغط البقاء، لكن الدور الخارجي على أهميته لا يعفي التجربة الإسلامية من مسؤوليتها الذاتية، فالحركات الإسلامية التي وصلت إلى السلطة أو اقتربت منها لم تنجُ في كثير من الأحيان من إغواء الحكم ولا من الخلط بين قداسة الفكرة وبشرية الممارسة. بدل أن تكون السلطة وسيلة لخدمة الإنسان تحولت عند بعضهم إلى غاية وبدل أن تجسّد قيم الشورى والعدل والشفافية أُعيد إنتاج الاستبداد لكن هذه المرة بلغة دينية تمنحه حصانة أخلاقية زائفة.
رفعت الآيات لكن ضاقت الصدور بالاختلاف، استحضرت الشعارات الأخلاقية بينما سادت المحسوبية وقدمت الطاعة على المحاسبة والولاء على الكفاءة. وفي ظل صراع دولي شرس استثمر الخارج هذه الانحرافات ضخمها إعلاميًا وعممها سياسيًا حتى بات الفشل ينسب إلى الإسلام نفسه لا إلى من أساؤوا تمثيله. هذا الانفصام بين الخطاب والممارسة كان مدمرًا، فالناس لا تحاكم الأفكار في الكتب، بل في الواقع، وحين رأوا الفساد يُبرّر باسم الدين والقمع يغلّف بفتاوى الطاعة لم تفقد تجربة سياسية مصداقيتها فحسب، بل تآكل المعنى الأخلاقي للإسلام في المجال العام وهو أخطر ما يمكن أن تبلغه الهزيمة. في هذا السياق لم تكن (الغرف المظلمة) الخارجية وحدها المسؤولة عن إزاحة الفكر الإسلامي من المشهد، بل إن بعض الحركات الإسلامية قدمت لها الذرائع جاهزة حين فشلت في تقديم نموذج أخلاقي مختلف، وحين عجزت عن إدارة التنوع وحين تعاملت مع النقد بوصفه مؤامرة لا حقًّا أصيلًَا.
ومع ذلك فإن الخلاصة لا تكمن في رفض الإسلام ولا في الحنين الساذج إلى أي مشروع ماضوي، بل في التفريق الحاسم بين الإسلام كقيمة حضارية كبرى، وبين الإسلاميين كتجارب بشرية تخضع للخطأ والانحراف وتتأثر شأنها شأن غيرها بضغوط الداخل وإملاءات الخارج.
اليوم تقف المجتمعات العربية أمام خيبتين متراكبتين؛ خيبة القومية وخيبة الإسلام السياسي وكلاهما لم يسقطا بمعزل عن تدخل خارجي ممنهج ولا عن أخطاء داخلية فادحة، وبين الخيبتين يظل السؤال معلقًا:
هل يمكن استعادة المعنى دون الوقوع مجددا في فخ الشعارات؟
هل يمكن بناء مشروع تحرر وعدالة لا يستهلك القيم التي يرفعها ولا يتحول إلى أداة في يد الخارج أو سوط على ظهر الداخل؟
هذا السؤال وحده هو بداية الطريق إن وجدت الشجاعة للاعتراف قبل الادعاء وللنقد قبل التبرير للقيم قبل السلطة.


