🔴 الولايات المتحدة عملياً تحاصر الصين، ليس حصاراً دبلوماسياً واقتصادياً وخطابياً فحسب ، وإنما حصاراً عبر جوارها بأكثر من ٣١٣ قاعدة عسكرية، ومنها في اليابان وحدها ٢٠٠ قاعدة عسكرية أمريكية، بالإضافة إلى قواعد و اتفاقيات دفاعية وأمنية Enhance Defense Corporation Agreements تسمح لأمريكا باستخدام قواعد عسكرية بعض دول الجوار الصيني والمنطقة، ومنها فيتنام، لاوس، ميانمار، كازخستان، أفغانستان، باكستان، الهند، قيرغستان و طاجيكستان.
🔴 في بحر الصين الجنوبي ومحيطه قامت الولايات المتحدة خلال عام ٢٠٢٤م بألف طلعة استطلاع جوي، وبلغت أيام التشغيل لسفن البحرية الأمريكية العاملة في الاستطلاع ٧٠٦ يوم سفن Ship-Day ، وتكررت زيارات حاملات الطائرات الأمريكية لبحر الصين الجنوبي ، ودأبت أمريكا على إجراء المناورات العسكرية المشتركة في المنطقة مع استراليا واليابان والفيلبين ، واستعادت ميناء Subic Bay الفيلبيني ليُستخدم كقاعدة عملياتية متقدمة Forward Operating Base لدعم مراقبة بحر الصين الجنوبي.
🔴 بدأت الصين في بناء سور الصين العظيم في القرن السابع قبل الميلاد، وظنَُّوا أنَّ السور مانعهم من الغزو والاحتلال، ورغم ذلك فقد هزمهم المغول والمنشوريون والمسلمون والقرغيزيون والبريطانيون (حرب الأفيون الأولى) والفرنسيون (حرب الأفيون الثانية) واليابانيون، كما حازت على مناطق امتياز ونفوذ داخل الصين كلٌّ من ألمانيا والبرتغال وروسيا القيصرية، فالثقافة السياسية الصينية تميل للبيروقراطية الإدارية، وليس لديها ميولٌ للعمل العسكري، وذلك بخلاف غيرها من الامبراطوريات، والأدبيات الصينية مُكرَّسة لترسيخ الدولة الحضارية وتجفل من صفة الدولة المحاربة، وهذا ما يجعل الصين اليوم بلا حليفٍ عسكري، ولا يمكن بحالٍ اعتبار الصينيين من الشعوب المقاتلة، وذلك بعكس الأمريكان والأوربيين الذين هم أكثر الأمم اعتداءً وخوضاً للحروب وسفكاً للدماء على امتداد الزمان.
🔴 الصين اليوم في ميزان القوى الجيوسياسية لا تزيد عن كونها منطقة صناعية كبرى وسوبرماركت هائل، وكما أن الصين كانت أول من اخترع البارود عام ٨٠٠م حين كانت الامبراطوريات تقاتل بالسلاح الأبيض ورغم ذلك لم يُغْنِ عنها شيئاً ، فكذلك هي اليوم لن يغني عنها التقدم الصناعي والتكنولوجي طالما أن عقليتها لاتزال هي ذات العقلية القديمة ، فالنصر هو نتاج عمليةٍ ذهنيةٍ وروحيةٍ قبل أن يكون نتاج معدات عسكرية.
🔴 بحسب الطبيعة الجينية العدوانية للرجل الأبيض ، وبالنظر إلى حجم الضوائق الاقتصادية والمعيشية التي تكابدها أمريكا وأوربا، وبمراجعة أنماط سلوكهم في هكذا ظروف على امتداد القرون إذ يعالجون أزماتهم بغزو الآخرين ونهب ثرواتهم ، وباعتبار أنهم لن يرضوا بمشاركة غيرهم لهم في قيادة العالم ، فإن مسألة استهدافهم للصين وتمزيقها ونهبها .. حتميةٌ وشيكة، ولسوف يسحقونها بأضعاف ما فعلوا بالاتحاد السوفياتي، ولن يتركوا فيها بقية تقض مضاجعهم مثل روسيا، ومن أهم العوامل التي قد تُكرِّس هزيمة الصين وسيستفيد منها الغربيون بنجاعة :-
▪️إنعدام الإيمان بالله ، وإنعدام الإيمان بالدار الآخرة ، فالإنسان قلما يُضحِّي بحياته دون إيمانٍ راسخٍ بالله واليوم الآخر ، وعلاوةً على ذلك سياسة فإن الابن الواحد جعلت كل فردٍ من الشعب الصيني دون أقارب (مقطوع من شجرة) ، فلا أعمام ولا أخوال ولا إخوة ، وليس للصيني من يضحي لأجلهم.
▪️ انعدام الخبرة القتالية للصين، فأقدم جنرالات الصين وأحدث جنودها لم يسبق لهم أن خاضوا حرباً (آخر حروبهم ضد فيتنام ١٩٧٩م)، فهم كالذي ألقوه في وسط المحيط اعتماداً على أنه كان يحفظ كُتب تعلُّم السباحة لأكثر من أربعين سنة (وهي كارثةٌ تشاطرهم فيها كل الجيوش العربية الباقية عدا قواتنا المسلحة ، والعاقل سيفهم لماذا الإصرار على تفكيكها كما فُعِل بجيوش العراق واليمن وسوريا وليبيا).
▪️انعدام التحالفات العسكرية للصين (عدا كوريا الشمالية) وإبقاء نفسها في عزلة جيوسياسية، ويغفل بعض الناس عن حجم الخلافات الروسية الصينية والتي جسَّرها تقاطع المصالح بعد حرب أوكرانيا دون أن ترتقي لمستوى التحالف، ومن المرجح أنه قد فات الأوان على أن تستدرك الصين على نفسها في هذا الجانب كما في غيره من العوامل.
▪️ الأزمات الداخلية في الصين ، فبرغم الدعاية الإعلامية الضخمة .. فإن مستويات الفقر والبطالة في الصين تطال مئات الملايين من الشعب الذي لا يتمتع كثيراً بصفات التكافل المجتمعي ، والصين بها ٥٥ عرقية غير الهان التي حكمت الصين لقرون، والصين بلدٌ تتعدَّد فيه الأديان بتعصُّبٍ دون تديُّن، بالإضافة للنزعات الإنفصالية في شينجيانغ والتيبت، علاوةً على الساحل الشرقي المزدهر بإزاء الغرب الداخلي الفقير ، وهذا أورث تفاوتاً طبقياً هائلاً ولا سيما بين سكان المدن وسكان القرى، علاوةً على القهر السياسي والديني وانعدام حرية التعبير، ونظام هوكو Hukou الذي يقيد حركة الريفيين إلى المدن، وهذا يجعل المواطن الصيني مُستعبداً في بلده والعبيد قد يعملون ويُنتجون ولكنهم أبداً لا ينتصرون.
▪️الترابط الشديد للاقتصاد الصيني بالاقتصاد العالمي يجعله شديد الهشاشة أمام العقوبات الغربية والنفوذ الغربي والحصار البحري الذي بدأت أمريكا تُحكِمه في المضايق الهامَّة (الدردنيل، هرمز، باب المندب، قناة السويس و ملقا).
▪️يقينية التفوُّق الأمريكي الجوي والفضائي وأنظمة الإنذار المبكر والأقمار الصناعية والطائرات الشبحية بإزاء ظنيَّة المزاعم الصينية التي لم يسبق اختبارها في معركة حقيقية.
🔴 هناك احتمالية قائمة بتقسيم الصين لعدة دول يُمنَح بعضها حق الاستقلال (لفقرها وضمان استدامة النفوذ الغربي عليها) ، على أن تبقى بعض الدول تحت نير الاستحمار والاستخراب (الاستعمار) بدعوى الوصاية الدولية، والمخططات لذلك تجري بالفعل، وأبرز معالمها :-
▪️دولة شينجيانغ ذات أغلبية الإيغور المسلمة (وصاية دولية).
▪️دولة التيبت والتي تعاني كذلك من اضطهاد ديني (استقلال).
▪️هونغ كونغ (وصاية دولية).
▪️تايوان سيتم الاعتراف بها وستبقى حليفاً تابعاً للغرب.
▪️دولة تجمع شنغهاي ودلتا نهر اللؤلؤ وقوانغدونغ ، وهي المناطق الصناعية الكبرى (تحت الانتداب الأمريكي كما اليابان مع الحرب العالمية الثانية).
▪️منشوريا وستكون ساحة صراع غربي وروسي وربما ياباني.
🔴 لا شك بأن الصين تُدرِك كل ذلك وأكثر وتعمل على تلافيه، وحالياً تتركز سياستها في العمل الوقائي بإفشال مخططات الغرب دون أن يكون لها دور إيجابي ، فهي مثلاً -وضمن إجراءات أخرى- فإنها تعمل على منع هزيمة روسيا وإيران والحوثيين وباكستان وفنزويلا ، وربما يكون ذلك كافياً أو غير كافي .. وحدها الأيام ستثبت ذلك ، وفي كل الأحوال فإن المدافعة التي تقوم بها هذه الدول للطغيان الإمبريالي الغربي -بعيداً عن وجود حلف عسكري يربطها مع الصين- يجعلها بمثابة خط الدفاع الأساسي عن الإمبراطورية الصينية التي لا تزال تتعامل مع أصدقائها كزبائن مُهمِّين (VIP Customer).
🔴 إن المشاعرية المُفرِطة تمنع الموضوعية عند النظر في قضايا الدولية والجيوسياسية ، فالكراهية لاستكبار الغرب ، والنشوة التي تُحدِثها الدعاية والخطابات الصينية .. ينبغي أن لا ينسحب عليها التحليل الجيوسياسي الدقيق، وإننا لا نقول بحتمية هزيمة الصين وسحقها، فذلك رهينٌ بعوامل عديدة، وقد سردنا بعضها هنا، وبعضها مرتبطٌ بالتحديات التي تواجهها الدول الغربية نفسها في الداخل والخارج، ولكن عند النظر للصراع الغربي الصيني، وقبل الخروج بخلاصاتٍ مُعتَسفة، فمن الأهمية الإحاطة بكل عوامل هذا الصراع وخلفياته ومحدداته وإسقاطاته ، وقتلها بحثاً وتدقيقاً للوصول إلى أرجح السيناريوهات المتوقعة.
🔴 عندما نزلت الآيات الأولى من سورة الروم .. كان المسلمون لا يتجاوزون العشرات من أهل مكة، وكانوا تحت وطأة استضعافٍ واضطهادٍ يفوق نيره ما يعانيه أهل السودان اليوم، ومن بعض الحِكمَة القرآنية التي ينبغي أن يتعلمها المسلمون هي الاهتمام بمجريات الصراع العالمي مهما كانت ظروف المسلمين، وأهمية أن يكون للمسلمين في هذا الصراع موقفٌ مُستلهَمٌ من قِيَمهم ومصالحهم ورؤيتهم لمستقبل العالم، وضرورة التركيز على أن الروم دائماً طرفٌ في الصراع العالمي، وأن اليهود رُوَّاد إشعال الحروب عبر التاريخ، وأن العاقبة للمتقين حتى ولو كانوا اليوم مستضعفين يخافون أن يتخطَّفهم الناس وأن الحق يعلو ولا يُعلى عليه.
٣٠ سبتمبر ٢٠٢٥م

