منذ اندلاع حرب أبريل في السودان، وجد أصحاب المصانع والمستثمرون في السودان أنفسهم أمام خسائر فادحة لم تقتصر على فقدان رأس المال فحسب، بل طالت الأصول، خطوط الإنتاج، العمالة المدربة، وحتى الأسواق المحلية التي انهارت بفعل غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي وفي خضم هذا المشهد القاتم يبرز سؤال جوهري يردده المستثمرون بألم وواقعية (هل عندكم حل؟؟؟)
وفي هذا المقال نحاول أن ننقل تلك المعاناة ونقترح و نشخص
أولًا: الحوافز المطلوبة لتعويض الضرر:المستثمر الذي خسر مصنعه أو نزح برأسماله إلى الخارج لا يبحث عن خطاب إنشائي وسياسي، بل يبحث عن حزمة عملية من الحوافز تضمن له استرداد ثقته في الاقتصاد السوداني. وتشمل هذه الحوافز:
– إعفاءات ضريبية وجمركية لعدة سنوات على استيراد مدخلات الإنتاج والآلات التعويضية.
– توفير قروض ميسرة بضمانات حكومية لإعادة تشغيل المصانع المتوقفة، على غرار ما فعلته بعض الدول الخارجة من النزاعات.
– إعفاءات على الرسوم الحكومية المتعددة التي أرهقت المستثمرين سابقا، واستبدالها برسوم موحدة ومنخفضة.
– تخصيص أراض صناعية مجانية أو بأسعار رمزية لإعادة توطين المشاريع التي دمرت بسبب الحرب.
ثانيًا: آليات جبر الضرر:جبر الضرر لا يقتصر على المال، بل على استعادة بيئة الاستثمار. ومن أبرز الحلول المقترحة:
– صندوق وطني لإعادة إعمار القطاع الصناعي بمشاركة الدولة، البنوك والقطاع الخاص.
– برامج شراكة بين الحكومة والمستثمرين لتقاسم المخاطر، بحيث تتحمل الدولة جزءا من التكلفة الأولية لإعادة تشغيل المصانع.
– إعادة تأهيل البنية التحتية (كهرباء، مياه، طرق، موانئ) التي تعتبر أساس استعادة الإنتاج.
– ضمانات سيادية تحمي المستثمرين من تكرار الخسائر عبر عقود ملزمة بتعويضهم في حال حدوث أزمات أمنية أو سياسية مشابهة.
ثالثًا:السياسات الاقتصادية المطلوبة لجذب الاستثمارات: لكي تستعيد الحكومة السودانية ثقة المستثمرين المحليين والأجانب، فإنها مطالبة باعتماد إصلاحات جذرية لا تجميلية، يمكن إجمالها في الآتي:
– إصلاح التشريعات الاقتصادية لتكون مرنة، واضحة، وتحمي حقوق المستثمرين من التعقيدات والابتزاز.
– تفعيل قانون حماية المستثمر وضمان تنفيذه على أرض الواقع.
– توحيد سعر الصرف وإدارة السياسة النقدية بصرامة، لأن الفوضى في أسعار العملة هي أكبر طارد للاستثمار.
– إصلاح النظام المصرفي وتوسيع قدرة البنوك على التمويل الصناعي طويل الأجل.
– تبسيط إجراءات الاستثمار عبر نافذة موحدة رقمية تقلل من الاحتكاك المباشر مع البيروقراطية والفساد.
رابعًا: لماذا انتقل المستثمرون إلى مصر؟ (تساؤل مشروع) :هروب كثير من الصناعيين ورجال الأعمال السودانيين إلى مصر لم يكن عشوائيًا، بل كان نتيجة وجود بيئة أكثر جذبًا، تتجسد فيها:
– حوافز ضريبية واضحة تصل إلى إعفاء كامل لعدة سنوات في المناطق الصناعية الجديدة.
– بنية تحتية متطورة من طرق، موانئ، وكهرباء مستقرة.
– توافر الأراضي الصناعية المخدومة بمياه وكهرباء جاهزة بأسعار تنافسية.
– سهولة التسجيل والإجراءات التي تنجز إلكترونيا خلال أيام قليلة.
– حماية قانونية قوية من خلال محاكم اقتصادية متخصصة.
خامسًا: دور الحكومة و النقد البناء:
– إن الحكومة الانتقالية الحالية مطالبة أولا بالاعتراف بأن الاستثمار لا يقوم على الخطاب السياسي و المقابلات التلفزيونية بل على الضمانات الفعلية وحتى الآن يلاحظ غياب خطة واضحة تعيد للمستثمرين ثقتهم.
– الاعتماد على الوعود دون سياسات مكتوبة ومنفذة يزيد من نزيف رؤوس الأموال.
– ضعف التنسيق بين وزارة المالية، بنك السودان، وهيئات الاستثمار يجعل أي إعلان حكومي مجرد حبر على ورق.
– التباطؤ في سن تشريعات جديدة تتماشى مع ما بعد الحرب يعكس فجوة كبيرة بين التحديات الماثلة والرؤية الحكومية.
وفي نهاية و خاتمة هذا المقال يمكن القول أن المستثمرون السودانيون لا يطلبون المستحيل، بل بيئة عمل آمنة، حوافز عملية، وضمانات حقيقية، وإذا لم تتحرك الحكومة بسرعة لإصدار حزمة استثنائية من الحوافز والتشريعات، فإن رؤوس الأموال السودانية ستظل في مصر والخليج، بينما تبقى المصانع في السودان مجرد أطلال شاهدة على حرب أكلت الأخضر واليابس.
والسؤال المفتوح للحكومة( هل عندكم حل؟؟؟)


