إنه سؤال يحمل ألمًا عميقًا، لكنه واقعي في مجتمعنا السوداني مما دفعني للتأمل في التغيرات السريعة وآثار الحروب. هناك شعور عميق بالخيانة يحيط بالإنسان السوداني حيث تمتد هذه الخيانة من الجيران إلى الأصدقاء، ومن ثم إلى زملاء العمل الذين تجمعنا معهم مصالح مشتركة سواء في التجارة أو في السوق أو ما شابه. مجتمعات يتسع فيها مجال الطموح الغامض. العديد من الناس لا يخونون بدافع الإخلاص بل لأن الفرصة لم تُتح لهم بعد. القلوب مشبعة بالأماني أحدهم يحلم بالمال، وآخر يسعى للسلطة وثالث يشتاق إلى الشهرة، وجميعهم في انتظار (الفرصة) مثل السفر أو منحة دراسية أو وظيفة مرموقة، أو حتى مقعد في حلم السياسة.
لكن القضية لا تكمن في الحلم بحد ذاته، بل في النوايا الكامنة وراءه، وفي الاستعداد الشخصي للاختيار بين القيم والمصالح. كثيرون لا يكتشفون أنفسهم حقًا إلا عندما تتاح لهم الفرص المغرية. في ذلك الوقت، يظهر الجانب الحقيقي، ويختبر الصدق وتتضح المعادن.
بعض الأفراد يرفضون النظام ليس دفاعًا عن المظلومين أو رغبة في العدالة، بل لأن النظام لم يحقق لهم ما يرغبون. هم لا يثورون ضد الظلم بدافع الغيرة على المبادئ، بل لأنهم لم يتلقوا الخدمة المرجوة. إذا ما منحهم النظام لمسة من النفوذ أو حصة من المصالح، يتلاشى صوتهم وترتجف معارضتهم.
في لحظات الصدق، يتساءل الشخص هل كنت سأظل متمسكًا بمبادئي إذا كنت في موضع السلطة؟ هل كنت سأظل مدافعًا عن العدالة إذا طُرحت أمامي خيارات بين المبادئ والمصالح؟ هل سأهتم بمصلحة الوطن، أم سأركض وراء رغباتي الشخصية؟
الخيانة ليست مجرد بيع الوطن، بل هي أيضًا بيع المبادئ عندما يُفتح لك باب تحقيق رغباتك. أن تُساوم على الحقيقة، أو تُشوه الوعي، أو يُزيف الواقع من أجل منصب أو مكاسب.
الأشخاص الذين اعتادوا على الأمانة والثبات لا تغريهم أضواء المال ولا تأثير السلطة، بينما تميل النفوس المتعطشة للطموح والظهور إلى التمثيل حتى تأتي لحظة الفرصة… فتنكشف حقائقهم فالفرصة لا تُنتج الخائن، بل تظهره.
وهناك نوع آخر، أكثر خطورة، لا ينتظر الفرصة بل يسعى لخلقها في ظل غياب الضمير. يستغل الأزمات، يتاجر بالانقسام ويستفيد من معاناة شعبه من أجل الارتقاء على حساب معاناة الآخرين. هذا الشخص الذي يبيع أسرار وطنه، يحرض ضد بلده، أو يفتح المجال للمتربصين، كل ذلك فقط ليُعرف عنه أنه (نافذ) أو ليستلم مكافأة من جهة خارجة. هذا خائن بوعي كامل، وليس بسبب فرصة فقط.
هذا النوع لا يكتفي بعمل الخيانة، بل يعيد تبريرها كفكر. يزرعها في الأجيال الجديدة، ويزينها في وسائل الإعلام، ويجعلها نظرية بديلة للوطن والانتماء. هذا النوع يكون أخطر من الخائن العابر لأنه يُنشئ خونة جدد في كل جيل.
الخيانة ليست نتاج لحظة ضعف، بل هي اختيار مدروس. الفرق بين الشريف والخائن هو أن الأول لا يتساهل مهما كانت المغريات، بينما الثاني يبيع حتى بأقل الثمن.
الوطن لا تحميه الشعارات، بل الضمائر. لا يتم الحفاظ عليه بالأغاني والهتافات، بل بالرجال والنساء الذين يضعون المبادئ فوق المصالح والحق فوق السلطة والإخلاص فوق جميع مغريات الحياة.

