▪️في عام ٦١ هجرية قام شمَّر بن ذي الجوشن بارتكاب مجزرةٍ في أحفاد رسول الله بكربلاء وسبى نساءهم إلى الكوفة ثم إلى الشام ، وفي عام ٦٣ هجرية استباح مسلم بن عقبة المدينة المنورة فقتل من الصحابة والتابعين ما يفوق العشرة آلاف قتيل ، وهُتِكت أعراض الصحابيَّات والتابعيَّات من القرشيات والأنصاريات وغيرهن حتى يقول ابن الجوزي بحمل ألف امرأةٍ من غير زوج ، وكان جيلٌ آنذاك يُقال لهم أبناء الحَرَّة ، وعندنا المسكوت عنه في السودان ليس يبدأ بما أوقعه الدفتردار ، وأفظع منه ما فعلته المهدية بأهل السودان ، ولم يكُ آخراً ما فعله ذات الجنجويد بأبناء وحرائر دارفور في مطلع هذا القرن ، ولازال التاريخ يعيد نفسه مراتٍ عديدةٍ في أمتنا وبلادنا .. كملهاةٍ وكمهزلة وكمأساة وكارثة ، وأحياناً في كل قرنٍ مرةً أو مرتين ، لأن الناس لا يريدون مواجهة حقائق أوثانهم وأصنامهم ، ولأنهم يؤثرون الانحياز للأوثان على الانحياز للحق ، ولأنهم يدورون حول فلان ولا يدورون حول الحق ، وقد أُشْرِبت قلوبهم تقديس عجولٍ صنعها لهم رهطٌ من الجماعة أو الطائفة أو كذَبة المؤرخين والشعراء (الإعلاميين) فأصبحت عجولهم ورهطهم أعزُّ عليهم من الحق ومن الله فاتخذوه وراءهم ظهرياً.
▪️انتحر أدولف هتلر بعد يقينه بالهزيمة وأنه قاد بلاده وشعبه إلى الدمار ، وانتحر معه وزير دعايته يوزف جوبلز صاحب قاعدة (أكذب ثم أكذب حتى يصدقك الناس) حين رأى بعينيه ما جرَّه على البشرية تطبيله لهتلر وكذبه ، وانتحر القائد العسكري لصرب البوسنة سلوبودان براليك أثناء محاكمته على ما سفكه من دماء أهل البوسنة ، وانتحر رئيس البرازيل جيتولو فارجاس الذي حكم بلاده ١٨ عاماً فقادها إلى الجحيم ، وانتحر الليندي رئس السلفادور أثناء الانقلاب الذي كان يجري ضده فراراً من الإذلال المُستَحَق الذي توقَّع أن يحدُث له ، وانتحر رو مو هيون رئيس كوريا الجنوبية قافزاً من قمة جبلٍ بسبب فضيحة رشوةٍ وقع فيها ، وقائمة انتحار الزعماء السياسيين والقادة العسكريين والشعراء (الإعلاميين) تطول ، وذلك من واقع إحساسهم بالعار الناتج عن تفريطهم في حفظ مسئولياتهم ، وتضييعهم لأمانتهم تجاه بلادهم وشعوبهم التي عانت بسبب سياساتهم الخرقاء ونفوسهم الضعيفة ، ورغم أنهم حاولوا الفرار من تجرع إذلال الهزيمة ، وغسل عارهم من خلال التضحية بحياتهم .. غير أنهم بقيت ذكراهم مُترعة باللعنات وعدم الشفقة نتيجة ما استجلبوه على أهلهم إذ لم يكونوا على أدنى قدرٍ من المسئولية التي ندبوا أنفسهم لها.
▪️تخرُج علينا أقلام غريبةٌ تتاجر في معاناة بناتنا وأخواتنا اللاتي تعرَّضن لما لا ينبغي أن يمُر بخواطرهن -ناهيك أن يقع لهن- لو كانت بلادهم تقودها رجال بالمعنى القرآني للكلمة ، ويُروِّج بعض الجهلاء بفخرٍ يُغطونه بمسْحة أسىً كاذب عن حالاتٍ انتحارٍ تُقدِم عليها بعض الكريمات ضيقاً منهن بامتهان كرامةٍ لم تُقِضّ مضاجع حكامهم ونخبهم الذين قادوا البلاد وأهلها بعزمٍ حثيثٍ إلى مستنقعات الموت والانتهاكات ، فمن الذي أحق بالانتحار إن كان في الانتحار حقٌ أو كرامة ، أليس الذين استبدلوا أمانتهم بالاضطجاع في مراقد الضلالة ، ورهنوا سيادة البلاد وكرامتها وأمنها لأعدائها هم الأولى بالانتحار ، أليس الذين سُلِبوا قوامتهم على بلادهم حين أسلموها لأعداء البلاد هم الأولى بالانتحار ، أليس من العار والخور أن لا نسمع للكثيرين كلمة حقٍ تشفع لهم أمام الله والتاريخ فلا يجدون ما يغسلون به نفاقهم إلا بالسباحة في دماء ضحايا القهر الذي أسهموا في استجلابه عليهم ، وعلام تنتحر ماجدات الجزيرة وبين أيديهن تاريخٌ طويلٌ من القذارة الممتدة المسكوت عنها (عرضنا لمحاتٍ منه وغضضنا الطرف عن كثير) والتي لم تسلم منها مدينة المصطفى (في خير القرون!!) ، ولم تسلم منها ناحيةٌ من بلادنا في خلال قرنٍ ونصف مضى ، وليس غريباً أن لايزال هناك من يفاخر بالمهدية وبيننا اليوم من يفاخر كفاحاً بالجنجويد ، وكل الخشية -إن بقي أشباه الرجال- فإن أبناءنا وأحفادنا سيدرسون في مقرراتهم ثورة الجنجويد وبطولاتهم كما درسونا نحن ثورة المهدية وبطولاتها.
▪️في ٣٠ أكتوبر ٢٠٢٣م كنت قد كتبت عن الفيلم الإيطالي Malèna ، وليس في الإعادة إفادة ، ولكني ذكرت أنه `ستنتهي حرب الكرامة هذه كما انتهت غيرها من الحروب ، وسينتقل كبار المجرمين الفاسدين إما إلى كراسي الحُكم أو إلى عواصم ما وراء البحار ، وسيتركون وراءهم ضحاياهم .. ملاييناً من سكان (صقلية) ، وعشرات الآلاف أمثال (مالينا) ، وآلافاً مثل (نينو) ، ونادرون أمثال (كريناتو) … وستكون تجربة كل شخصٍ متفردةٌ بظروفها ومواجعها وملابساتها ، فارفقوا ببعضكم البعض ، ومن فاتته النبالة فلعله لا يسقط في وحل النذالة.`، والواقع أنه لا يستتب نصرٌ للحق قبل تحطيم أوثان الباطل ، ولا يُحطم تلك الأوثان إلا أمثال خالد بن الوليد ، وما أكثرهم في بلادنا ، وعلينا أن نتذكر بأن الشرف يكون في قوة الحق وطهرانيته لا بحق القوة وسطوتها ، والشرف موطنه الأرواح النقية والأفكار الطاهرة والقلوب المؤمنة وفعال المروءة والشهامة والكرم ، لا في النفاق والمداهنة والخور والفجور ، وأن سلامة الشرف الرفيع مرهونةٌ بدماء المجرمين الواجب سفحها على جوانبه ، لا بدماء الضحايا فتكون نذالةٌ فوق نذالة ، ويا لله ما أكثر الدماء الواجب سفحها.
*إذا هَبّتِ النكْباءُ بيْني وبينَكُمْ*
*فأهْوَنُ شيْءٍ ما تَقولُ العَواذِل*
*وإنْ كان في لُبسِ الفتى شرَفٌ له*
*فما السّيفُ إلاّ غِمْدُه والحمائل*
*فوا عَجَبا كم يدّعي الفضْل ناقصٌ*
*ووا أسَفا كم يُظْهِرُ النّقصَ فاضل*
١ نوفمبر ٢٠٢٤م
