بتحرير مدينة سنجة عاصمة ولاية سنار فإن السودان يشهد فصلاً جديداً من فصول حرب الكرامة. حيث يُعد هذا الحدث انتصاراً عسكرياً لافتاً ليس فقط على الصعيد الميداني بل السياسي و الأمني، لذلك في هذا المقال سوف نحاول شرح ذلك الأمر بصورة مبسطة حتى تتمكن عزيزي القارئ من معرفة الأبعاد الإستراتيجية لهذا الانتصار العظيم. لاشك أن تحرير سنجة يمثل رسالة قوية حول قدرة القوات المسلحة السودانية على استعادة السيطرة على الأراضي التي أهملتها في بداية المعركة مقابل تحييد قدرات العدو و قد نجحت في ذلك حسب هذه الاستراتيجية، لذلك هذا التحول قد يحمل تداعيات بعيدة المدى في سياق الحرب الدائرة و توازنات القوى الداخلية و ربما الإقليمية وا لدولية الضالعة في تمويل المليشيا و مدها بالسلاح و المقاتلين بجانب الغطاء السياسي و الإعلامي الذي تقوم به بعض الاحزاب السياسية.
بالأمس أعلنت القوات المسلحة السودانية دخول مدينة سنجة، و استعادة السيطرة عليها بعد طرد مليشيا الدعم السريع منها، حيث تعد هذه الخطوة نقطة تحول استراتيجية في الحرب ضد المليشيات، فقد كانت المدينة مركزاً رئيسياً لتنفيذ أجندة الدعم السريع في وسط السودان، ونجاح الجيش في استعادتها يُمثل تراجعًا كبيرًا لهذا التهديد، كانت تحاول السيطرة على كامل الولاية وربما ولايات الشرق الأخرى . لذلك فإن تحرر المدينة يُنهي محاولة “الحصار المتحرك” كما يؤكد بداية جديدة في مسار نجاح تكتيكات الجيش.
كما نعلم فإن مدينة سنجة تتمتع بموقع جغرافي حيوي حيث تقع على ضفاف النيل الأزرق مما يجعلها نقطة وصل استراتيجية بين ولايات السودان الشرقية و الغربية. تحكم المدينة الطرق البرية التي تربط مناطق البلاد الحيوية، مثل طريق سنار-ربك، و طريق الدمازين-سنار ما يجعلها مفتاحاً للتجارة و حركة المواطنين. إضافة إلى ذلك فإن الثروات الزراعية و الحيوانية التي تتمتع بها سنجة تجعلها أحد أهم مصادر الدخل الوطني مما يضيف بعداً اقتصادياً لتحريرها .
لكن الأهمية لا تقتصر فقط على العوامل الاقتصادية. فمدينة سنجة كانت تاريخياً مركزاً ثقافياً و حضارياً هاماً، حيث كانت جزءاً من مملكة سنار الإسلامية في القرن السادس عشر لذلك فإن تحريرها يمثل استعادة لجزء من هوية السودان التاريخية و الثقافية.
من الناحية الأمنية يُعد تحرير سنجة خطوة مهمة في تحقيق الأمن الداخلي و استعادة السيطرة على الأراضي التي كانت تُشكل تهديداً مباشراً للقدرة الأمنية و اللوجستية للجيش، لا سيما في سنجة و “جبل موية” حيث كانت تجري محاولة لاستخدام المنطقة كقاعدة عسكرية ضخمة لانطلاق العمليات لذلك يعتبر تحرير المدينة ضربة قوية و إفشال لهذا المخطط.
من الناحية السياسية يُشكل تحرير سنجة خطوة هامة في تعزيز سيطرة الحكومة السودانية على البلاد، كما يبعث برسالة قوية للطامعين من القوى الإقليمية و الدولية. إن الهروب المذل لقائد المليشيا “حمودة البيشي” إلى جنوب السودان يُعتبر مؤشرا على ضعف المليشيات، ويُؤكد فشل مشروع التمرد المدعوم من القوى الإقليمية ، خصوصًا تلك التي تسعى لتأجيج الصراع الداخلي في السودان لتحقيق أهدافها في السيطرة علي موارد البلاد.
كذاك من الأهمية -و بحسب مراقبين- النظر إلى تحرير سنجة كرسالة سياسية إلى الطامعين و المتآمرين على السودان سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي. تحرير هذه المدينة الاستراتيجية يمثل تحدياً لأي قوة تحاول التدخل في الشؤون الداخلية للسودان. كما أن هذه العملية تؤكد على قدرة الشعب السوداني، ممثلاً في جيشه و المقاومة الشعبية على دحر المخططات الخارجية البائسة. كذلك يُعزز فك الاختناق الأمني على الولايات الشرقية مثل كسلا، القضارف و البحر الأحمر من قدرة الجيش السوداني على تأمين طرق الإمداد اللوجستية المهمة التي تمتد إلى حدود إثيوبيا.
هذا التحرير يمكّن الجيش من فتح خطوط إمداد جديدة نحو ولاية النيل الأزرق، كما يسهل تحركه إلى ولاية الجزيرة و ربما النيل الأبيض مما يعجل بالعمليات العسكرية المحتملة. أيضاً من الرسائل السياسية المهمة التي حملها تحرير سنجة هو الإعلان عن التحرير بواسطة وزير الإعلام ،الناطق الرسمي باسم الحكومة، أولاً، ثم أعقبه بيان الجيش و في ذلك دلالة سياسية واضحة حسب مراقبين؛ إذ أن في هذا الإجراء تكمن إعادة التأكيد على وجود الحكومة كجهة شرعية مسؤولة عن إدارة شؤون البلاد مما يعزز مكانتها في الداخل و الخارج. كما يُظهر أن قرار قيادة البلاد يمضي نحو إبراز دور الحكومة في المشهد حتي يبدو التحرير نتيجة قرار سياسي مدروس مما يعكس توازناً بين المؤسسة العسكرية و السلطة المدنية. بلا شك هذه الخطوة تسهم في التصدي لمحاولات التهميش و الانتقاص من الحكومة السودانية التي يتعمدها الإقليم و العالم. كما أن تأكيد الحكومة على إدارة الأمور بموجب القوانين و الدستور يمكن أن يعزز المصداقية المحلية والدولية و يؤكد التزامها بالتحول المدني الديمقراطي في اليوم التالي من الحرب.
لذلك فإن تحرير مدينة سنجة بحسب ما نري من وجه الحقيقة يمثل يوماً عظيماً للسودان، ليس فقط لأنه تحقق من خلاله انتصار عسكرياً استراتيجياً، بل لأنه يحمل رسائل قوية في مجالات الأمن و السياسة. هذا التحرير هو خطوة حاسمة نحو استعادة الأمن و الاستقرار في البلاد و فتح آفاق جديدة لتحقيق السلام في السودان. إن هذا الانتصار هو نتيجة تضحيات الجيش السوداني و الشعب و يشكل بداية مرحلة جديدة من تعزيز وحدة البلاد و مواجهة التحديات القادمة. خالص الدعاء للشهداء و الشفاء للجرحى و المجد للجيش السوداني الشرف الباذخ الذي يثبت يوماً بعد يوم قدرته على حماية الأرض و العرض و كرامة الشعب.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 24/نوفمبر 2024م Shglawi55@gmail.com
