Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

وجه الحقيقة … حين تختبئ الابتسامة في الكهرباء .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

كما تختبئ الصدفة في منعطف الطريق، ويكمن العسل البري في الرحيق – وفق ما وصف الشاعر محمد المكي إبراهيم – فإن الكهرباء، في واقع السودان، تختبئ فيها الابتسامة.. و كذلك خدمات الماء و الخبز و العلاج و تدور بها عجلة الإنتاج و يُبسط بها الأمن و السلام .

الكهرباء عند السودانيين لم تعد مجرد تيار يسري في الأسلاك، بل غدت رمزًا للحياة المدنية، و استعادة الحد الأدنى من استقرار الحياة و استمرارها. فهي تختبئ –بحق– في تفاصيل الابتسامات العابرة، و ملامح الفرح الصادق حين تعود بعد طول غياب.. هكذا أصبح الحال ضروريًا .. بالرغم من الاستهداف المتواصل للمنشآت في مروي و عطبرة و دنقلا الذي ظلت تقوم به مليشيا الدعم السريع.

بالأمس و في أحد مراكز طب الأسنان بأم درمان، المدينة التي لم تزل، رغم الحرب، تحتفظ بقدرتها العجيبة على الصمود و التحدي و الكبرياء، رصدتُ مشاهد عفوية و متداخلة، لكنها عميقة الأثر و الدلالات.

بعد انقطاع التيار الكهربائي لما يقارب الأسبوعين عن عموم الخرطوم، عادت الكهرباء بالأمس فجأة. لم تكن مجرد عودة تقنية، بل عودة للنبض و للحياة. ضجّ المكان بالفرح و التصفيق، و أُطلقت زخّات الرصاص ،كحال أهل مناطق الحرب، طفلة ضحكت ببراءة مدهشة، و رجل مسنّ اتصل بعامل البقالة ليستأنف المشتريات، و خرج الطبيب من العيادة ليبشّر عائلته عبر الهاتف بنهاية الإقامة القسرية في بيت الجد، و شرطي عند البوابة ابتسم و قال لي: “عودة الكهرباء تعني لنا تعزيز الأمن و اتساع رقعته ليلًا… تعني تحويل الجهد إلى تأمين الناس بدل مطاردة الظلام و العتمة.”

ليست هذه المشاهد من الخيال أو محض انفعالات، بل مؤشرات اجتماعية وسياسية بالغة الدلالة تستحق الإنتباه. كما نعلم خلال أوقات الأزمات ، تصبح الخدمات الأساسية مرآة لمدى فاعلية الدولة أو غيابها. فالكهرباء – كما الماء و الدواء – لا تعني البقاء فقط، بل تعني شعور المواطن بأنه موجود في معادلة الاهتمام العام من قبل الحكومة و الدولة، و أن هناك في مكان ما، من يفكر في أمنه و استقراره.

في ظل هذا الواقع المضطرب، اتجه الناس نحو بدائل الطاقة، وعلى رأسها الطاقة الشمسية، التي شهد سوقها انتعاشًا ملحوظًا خلال الأيام الماضية، و تحولت من حل نخبوي محدود إلى أفق شعبي متّسع، مليء بالفرص و التحديات. غير أن هذا التحول يصطدم بعقبات تنظيمية و إدارية تعيق توسع الاستخدام.

لذا، فإن اللحظة تقتضي من الحكومة الانتقال من دور الرقيب إلى دور الممكن، عبر رفع القيود الجمركية و الضريبية على كافة بدائل الطاقة، و تسهيل دخولها، و تقديم الحوافز لمن يرغب في الاستثمار فيها، خاصة في الريف و المناطق التي خرجت عن الشبكة القومية.

فالإنتاج اللامركزي للطاقة لم يعد ترفًا أو خيارًا بيئيًا فقط، بل صار ضرورة وطنية واقتصادية ، تعزز من صمود واستقرار المجتمعات، وتخفف العبء عن الدولة، و تعيد التوازن المفقود بين المركز و الهامش، و الحضر و الريف، و تدفع الناس إلى الاعتماد على الذات ضمن منظومة تحكمها المسؤولية المشتركة.. بل ربما صارت تجارة عكسية تُمنح بمقابل للآخرين.

إن عودة الكهرباء، في مثل هذا السياق، لا تُقرأ كتفصيل خدمي فحسب، بل كحدث سياسي و أمني، يتصل بالسلم الاجتماعي، و إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها. لذلك ليس غريبًا أن تولد الابتسامة من ضوء المصباح، كما يختبئ البستان في وردة، أو كما تختبئ كفاءة الدولة – بمعناها الحقيقي – في لمبة تضيء، أو في خدمات طال انتظارها فجأة بعد عتمة أوشكت أن تسلّم الناس للمجهول.

و بحسب ما نراه من #وجه_الحقيقة، فإن ضوء الكهرباء حين يعود بعد طول انقطاع، لا يضيء الأحياء السكنية أو يحرك عجلة الإنتاج فحسب، بل يكشف الحاجة العميقة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة و مواطنيها على أسس أكثر عدلًا و مرونة و مسؤولية.

في سياق إعادة الإعمار المنتظر، تبرز الطاقات البديلة لا كترف نخبوي، بل كضرورة وطنية، تتطلب من وزارة المالية العمل على رفع قيود الرسوم و الضرائب التي تعرقل الوصول إليها، و من وزارة الطاقة و الكهرباء بذل مزيد من الجهد في توسيع نطاق التغطية، و تعزيز الشفافية في إدارة الموارد بجانب سعة الأفق في التخطيط.

أما المواطن فمسؤوليته أن يواكب هذا التحول بالترشيد، و الاتجاه نحو البدائل المستدامة، لأن بناء المستقبل لن تصنعه الدولة وحدها، بل الشراكة الواعية المنتبهة من الجميع.

دمتم بخير و عافية.
الاثنين 20 أبريل 2025م Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي، رقم 5145 بتاريخ 14 فبراير 2024 … قائمة حقوق الإنسان الملزمة لحكومة السودان

المقالة التالية

السودان و قطر: أخوّة راسخة ومبادئ التزام أخلاقي يصنع المستقبل .. بقلم/ أحمد حسن الفادني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *