Popular Now

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

أصل القضية | حين تُقصى الكفاءة .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر

وجه الحقيقة … خرطوم المساء والألوان .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

تُشكّل عودة مؤسسات الدولة إلى قلب العاصمة الخرطوم بعد تحريرها من الميليشيا حدثًا سياسيًا و مجتمعيًا مفصليًا يفتح بابًا واسعًا على جملة من الفرص و التحديات. في مشهد تتداخل فيه خطط الإعمار مع جراح الحرب، تتبدّى ملامح المرحلة القادمة كمعركة جديدة تُخاض لا بالسلاح، بل بالإرادة و التنظيم و الاستعداد للبناء و استرداد الحياة من بين الأنقاض.

الاجتماع الأخير للجنة العليا للطوارئ و إدارة الأزمات بولاية الخرطوم، و الذي ترأسه والي الولاية، جسّد هذا التحدي . فمع محاولات إعادة تشغيل محطات الكهرباء بعد تدمير سبعٍ منها بشكل كامل، و نهب شبكات التوصيل، تبرز أزمة المياه كوجه آخر للأزمة. إلا أن التوجّه نحو تحويل المعالجات المؤقتة إلى آلية دائمة يشير إلى إدراك حقيقي بضرورة بناء بنية تحتية قادرة على الصمود في وجه أزمات مستقبلية محتملة.

تجربة إخلاء المدارس من النازحين أيضًا كشفت عن قدر من التنسيق اللافت بين الجهات التنفيذية، و الذي أثمر في إعادة الطلاب إلى مقاعد الدراسة المرافق التعليمية كرمزية مهمة لعودة الحياة المدنية.

و لم يغب عن الاجتماع البُعد الأمني و الاجتماعي، حيث طُرحت قضايا مثل منع بيع الشاي و تعاطي (الشيشة) في الطرقات، كجزء من إعادة ضبط المشهد العام في العاصمة. التي كانت ترزح تحت فوضي الظواهر السالبة قبل الحرب ، لذلك من المهم فرض هيبة الدولة وإعادة تشكيل صورة المدينة بما يعكس مرحلة التعافي.

كذلك أوضح الناطق الرسمي لحكومة الولاية ، الطيب سعد الدين، أمس الأول أن القرار القاضي بإنهاء إجازة العاملين يمنح مهلة حتى منتصف يونيو لتوفيق الأوضاع، خصوصًا لمن غادروا البلاد. و شدّد على أن تقدير ظروف العاملين متروك لرؤساء الوحدات الحكومية.

في السياق، أعلنت شرطة ولاية الخرطوم استعادة أكثر من 90% من أقسامها و انتشارها في كافة المحليات، واضعةً خطة محكمة لتأمين العاصمة. و أكدت أن الوضع الأمني بات مستقرًا مع تراجع معدلات الجريمة، و استعادة عدد كبير من المنهوبات، و إعادة تشغيل خدمات السجل المدني و المرور وسط تنسيق مع النيابة. كذلك أكّد مدير الإدارة العامة لتأمين المرافق و المنشآت، اللواء شرطة قاسم أمين أحمد، تأمين 250 منشأة حكومية و147مقرًا للسفارات و البعثات الدبلوماسية في الولاية .

زيارة السفير السعودي ،علي بن حسن جعفر، و رفعه لعلم بلاده فوق مبنى السفارة إعلانًا عن عودة العمل الدبلوماسي، حملت إشارة سياسية بتضامن بلاده مع الشعب السوداني و حرصها على استعادة السودان لدوره الطبيعي، كما أكّدت أن الخرطوم لم تعد عاصمة منكوبة، بل ساحة مفتوحة للاستثمار في السلام و الإعمار.

الإعلان عن تأهيل خمس مستشفيات، وتوزيع آلاف السلال الغذائية، وإجراء آلاف العمليات الجراحية، يعكس تحوّل الدعم السعودي من الطابع الإنساني إلى مستوى أكثر استراتيجية، يستهدف تعزيز إستقرار الدولة السودانية. حيث تبدو السعودية شريكًا في صياغة ملامح مرحلة ما بعد الحرب، ينتظرها السودانيون أن تكون الشريك الاستراتيجي الأول في مشروعات حصاد المياه، و الأمن الغذائي، و أمن الطاقة و إعادة بناء ما دمرته الحرب.

في جانب آخر، الخرطوم لا تعود إلا على أنقاض ذاكرة موجوعة. المشاهد التي وثّقها قلم أستاذنا الشريف حسين خوجلي، تحت وسم “الوقوف على الأطلال”، و التي نقلها له المهندس المُرسل إلى قناة أم درمان و صحيفة “ألوان” و إذاعة “المساء”، تحمل ما هو أبعد من وصف الدمار المادي. إنها شهادة على الاستهداف الرمزي للثقافة و الإعلام في السودان، استهداف يعكس إدراك الميليشيا لأهمية هذه المؤسسات في تشكيل الوعي الوطني و توثيق الحياة.

ما سُرق لم يكن فقط أجهزة و كاميرات و أرشيفًا، بل محطات راسخة في ذاكرة شعبٍ منتبه يجيد التفكير و صناعة الأحلام. ووسط هذا الرماد، تتولّد إرادة من نوع جديد، لا يعرفها المخذّلون، إرادة أن تكون الخرطوم مجددًا مدينةً حيّة بالمؤسسات و الذاكرة النضرة، لا بالمقابر الجماعية و التسكّع في الطرقات.

إن استعادة الخرطوم لا تعني فقط كسب معركة عسكرية، بل بدء امتحان سياسي و إنساني، عنوانه القدرة على بعث الدولة من جديد. في زمنٍ اختلط فيه الرجاء بالألم، تظل الخرطوم، رغم كل شيء، كحال المدن المتطلعة إلى المستقبل؛ فالمدن التي تحترق يمكن أن تنهض، متى ما تسلّحت بالإرادة، و تشبّثت بالحياة، و تجاوزت جراحها، مستحضرةً كل تاريخها و عظمة الإنسان.

و هكذا، فإن استرداد الخرطوم لا ينبغي أن يُختزل في بُعده العسكري فحسب، بل يُقرأ كإشارة فارقة في مسار استعادة الدولة السودانية لعافيتها، و بناء عقد وطني جديد، تتجدد فيه مؤسسات الحكم على أسس شرعية و أخلاقية. و لعل ما قاله الفيلسوف السياسي “جون لوك” يؤكد هذا المعنى، أن: “السلطة الحقة لا تُبنى على القوة، بل على رضا المحكومين و سعيهم المشترك نحو الخير العام.”

إن النصر لا يكتمل إلا حين يُترجم إلى مشروع وطني جامع، تنتظم فيه الإرادات، و تتقدم فيه الدولة بمسؤولية نحو السلام، تنزع فتيل الحرب و تزرع مكانه مواسم الاحتفاء و الرجاء.
دمتم بخير و عافية.
السبت 26 أبريل 2025م Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

الزراعة بغرض الصادر: كنز السودان المهدر وفرصة النهضة القومية .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني – مدرب وأستاذ التنمية والإدارة

المقالة التالية

مسارات … الآفاق والسياسات العالمية .. بقلم/ د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *