Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي .. حديث في الممنوع : حمدوك رئيسا للسودان ، مدي الحياة ، بعد تجيير الثورة لصالح حكومته ، وتامينها عسكريا ، باستيعاب الدعم السريع ، في القوات النظامية ، بغلبة !!!

وجه الحقيقة | عود لينا يا ليل الفرح… .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة مقالات الحرب على السودان .. التقرير الاستراتيجي(4) .. مؤشرات النهاية: العلامات العسكرية والسياسية التي تسبق حسم الحروب الداخلية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

يا قومنا .. لا تكونوا أول من ساند الحق وآخر من خذله، وليُتِمَّنَّ الله هذا الأمر كما وَعَد .. بقلم/ اللواء (م) مازن محمد إسماعيل

▪️اختلف الناس في تعريف المُثقَّف، ولكن المؤكد أن المثقف لا يكتفي بحفظ المعلومات من مُشافَهات المصادر ثم يقوم باستفراغها كما هي دون تفكير أو تدبُّر أو نقد أو وعي، وهو ما يفعله كثيرٌ من المؤرخين والمثقفين في بلادنا، ومهما بلغت قِلَّة الإدراك -دون الوعي- فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها هي أن السودان (وهو أول مجتمع إنساني) أقدم من أن يكون قد اكتشفه وهندسه وخلق هويَّته الألباني صنيعة فرنسا محمد علي باشا في ١٨٢١م، والجيش السوداني أعرق من أن يكون قد اخترعه من العدم المستعمر الإنجليزي في ١٩٢٥م، وكل الأمم والدول والجيوش قد مرَّت بفترات قوةٍ وازدهار وتوسع وتفكك وانكماش وصحوة، وقد تتغير أسماؤها ولغاتها و جيناتها .. وهذه طبيعة السنن الكونية والتاريخ البشري بمختلف دوله وأُمَمِه ، فلا منطق يجعل تاريخنا بخلاف غيره، ولا زالت لغات الشعوب الكوشية حيَّة في بلادنا، وجيناتها تجري في عروقنا ، وقِيَمها تصنع تفرُّدنا بين جيراننا، وثقافتها غضَّة في حياتنا، وإن الذين ما انفكوا يعملون على اجتثاث تاريخنا وأصالتنا وعراقتنا ، ويريدون بذلك إحداث قطيعةٍ تمنع امتداد قيم الماضي بالحاضر، و محو ثقافتنا ووعينا ليعيدوا هندسة كل ذلك وِفق ما يناسب مصالحهم .. هم ذاتهم الذين فعلوا كل ذلك بالسُّكان الأصليين في أمريكا الشمالية والجنوبية فاجتثوا حضارات الأنكا والأولمك والأزتك والمايا ، ولكنهم لا يتساهلون قط في ربط أنفسهم بالإغريق والرومان.

▪️إن الوعي السوداني بقيم الحق واليهود واليهودية قديمٌ قِدَم تاريخهم الذي سبقه تاريخ السودان ، وتكفي إشارةٌ تاريخيةٌ صغيرة لشرح مستوى ذاك الوعي والارتباط والقِيَم ، ففي عام ٧٢٢ ق.م سقطت مملكة اليهود الشمالية على يد سرجون الثاني ملك الآشوريين ، وسبى الآشوريون أهلها ، ولم تكن مملكتهم سوى عشر قبائل في مدينتين، وكانت تُسمَّى السامرة (نِسبةً للسَّامري) أو بيت إسرائيل، وكان شعب السامرة قد انتكسوا إلى الوثنية فعبدوا الأوثان الكنعانية، والنص التوراتي اعتبرها دولةً منحرفةً دينياً بخلاف مملكة اليهود الجنوبية وكان اسمها يهوذا وكانت أصغر بكثير من مملكة السامرة وتزامنت معها، وقد ورد في سِفْر إشعياء في الأصحاح التاسع عشر كيف أن تهارقا قاد جيوش كوش (جيش السودان القديم) فصدَّ بها جيوش سنحاريب الآشوري التي كانت تحاصر مملكة يهوذا التي تمرَّدت على دفع الجزية للآشوريين في ٧٠١ ق.م بنصيحة النبي إشعياء لحزقيال ملك يهوذا .. لثقة إشعياء بأن كوش الممتدة من منابع النيل حتى البحر المتوسط ستنصرهم على الآشوريين إن هم استنصروها ، وإن في تمييز الكوشيين ما بين السامرة ويهوذا واتخاذهم قرار الحرب مع الآشوريين (إحدى أعظم امبراطوريات ذلك الزمان) دفاعاً قبيلتين في مدينة .. ليعكس بوضوحٍ تام مستوى الإدراك والوعي لما أقدموا عليه ، وأن الكوشيين يومذاك لم تكن دوافعهم مادية أو امبريالية بحال.

▪️استمرت الممالك السودانية المختلفة (حتى مطلع القرن العشرين) في إرسال البعثات اللوجستية والعسكرية لتأمين طرق الحجيج للمساجد الثلاث (المسجد الحرام ، المسجد النبوي ، المسجد الأقصى) ، ولكفالة المجاورين لتلك الحُرُم ، وشارك السودان في كل معارك فلسطين منذ الحروب الصليبية والاستعمار الأوربي مروراً بالعصابات الصهيونية وكل الحروب التي خاضتها الجيوش العربية ضد إسرائيل ، وكان له السَّهم الأعلى في مُناصرة ودعم كل حركات المقاومة الفلسطينية بمختلف توجهاتها الأيدلوجية منذ ١٩٤٨م وحتى ٢٠١٩م ، وقاسمهم السودان كسرة الخبز والمسغبة والحصار والقتال ، ومازال ، فلا يظُننَّ أحدٌ أن معركة الكرامة ليست بذات علاقة بما يجري في فلسطين ، والصهيونية اليوم في معركتها الوجودية الأخيرة ستجرف معها كل المنطقة في سكرات احتضارها ، وقدر السودان واختياره بمقتضى قِيَمه أن يبقى معنيَّاً بذلك الصراع، ومن توهَّم أن الانبطاح سيعصمه من البلاء فليس من هذه البلاد وقِيَمها في شيء، ومهما علا كعبه بين النَّاس فلن يبلغ شرف انتسابه أن يُكافئ ابن نوح ، وحسبه أن ينظر حوله عاقبة الخانعين وتكفيه سوريا.

▪️إن السودانيون الذين ما انفكُّوا يتمثلون مقولة -تنقد الرهيفة- قد أثبتوا على امتداد التاريخ أنهم مازالوا يحملون جينات أجدادهم الذين قالوا لفرعون {قَالُوا۟ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاۤءَنَا مِنَ ٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلَّذِی فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَاۤ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِی هَـٰذِهِ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَاۤ} ويومها قال اليهود لموسى {قَالُوۤا۟ أُوذِینَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِیَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ} ، فالسودانيون مازالت قيمة الحق عندهم تتقدم كل مصلحة .. يدورون مع الحق حيث دار، وتسبق عندهم قيمة الحق قيمة الحياة نفسها ، فهم نصروا اليهود على أعدائهم دون اعتبارٍ لفداحة العواقب يوم كان اليهود على الحق، ووقفوا ضد الصهاينة الغاصبين نُصرةً لذات الحق، والمسلمون لم يتوقفوا مليَّاً عند وصية الرسول ﷺ لصحابته بالهجرة إلى ديار كوش فلم يتساءلوا عن لماذا لم يهاجر هو نفسه عليه الصلاة والسلام إليها برسالته التي هي للعالمين وليست للعرب .. حتى بعد أن أسْلَم النجاشي ونصره الله على أعدائه واستتب مُلْكُه؟

▪️لقد نصَّبت الصهيونية كل الأنظمة العربية وجيوشها المُطَبِّعة علناً أو المُتواطِئة سِرَّاً وجهراً .. لتكون في خط المواجهة المُتقدِّم دفاعاً عن إسرائيل ضد شعوبها ، ولم يشِذَّ عن ذلك النسيج العربي إلا السودان ، والذي أفلحوا يوماً بتنصيب أول سُلطةٍ مُطبِّعة على رأسه .. لا ليبنوه كما ظن الطيِّبون ، وإنما لتستدرك سُلطته تلك ما فاتها من انحطاط الذين سبقوها في مضمار مواجهة شعوبهم دفاعاً عن إسرائيل ، ولم يُدرك عملاء الصهاينة أن السودان مختلفٌ عن بقية الدول العربية وشعوبها ، فأعداء إسرائيل في السودان ليسوا جماعةً سياسيةً أو أيدلوجيةً محدودةً يمكن دمغها بالإرهاب ثم تقزيمها والقضاء عليها ، ولكن أعداء الصهيونية وإسرائيل في السودان هم كل الشعب وكل الجيش ، ولذلك كان لابد أن يُفكِّكوا جيشه ويستبدلوا شعبه، وهو ما فاجأ المتفائلين بالتطبيع، وعندما فشل تحقيق ذلك بالفرمان .. توجَّه عزمهم لتنفيذ كل ذلك بالنيران والفرمان معاً.

▪️رغم ما أوجزناه مما يطول بسطه .. فإن السودانيين في ذلك ليسوا مجتمعاً طُهرانياً موسوياً بكُليَّاته ، فهناك شِرذمةٌ قليلةٌ سامريَّةٌ مُنحرِفةٌ .. دعمت الموقف السوفياتي لصالح قيام دولة إسرائيل في ١٩٤٧م ، وساندته في قرار مجلس الأمن القاضي بتقسيم فلسطين من ذات العام ، وباركت هجرة اليهود من دول الاتحاد السوفياتي لإسرائيل ، وهذه الحفنة الضئيلة لم يزدها تطاول الزمان إلا عمالةً وحقارة، فمن بعد اجتثاث رؤوسها مطلع السبعينات، ونكوص الاتحاد السوفياتي عنها حتى سقوطه .. لم تجد لها سيِّداً يحتضنها سوى مزبلة الصهيونية العالمية، فانفتحت لها أبواب المنظمات المشبوهة، ورحَّبت بها وكالات الإعلام ومراكز الدراسات الخبيثة ، وتدفَّق عليها المال وساندها الإعلام ، فأعانها ذلك على اختراق الأحزاب الكبرى بكوادر استمالتهم، وآخرين في الأحزاب والنقابات زرعتهم ، واستنسخت لنفسها كياناتٍ تتوارى خلفها، وأحزاباً هلاميةً على شاكلتها، فكانت من وراء كل بلاءٍ أصاب البلاد، وساندت كل تمردٍ عسكري اصطلى بنيرانه العباد، وبذرت كل انحرافٍ أخلاقي في المجتمع، و ما زالت تلِغُ في وحل الخيانة منذ غرسها الكوربورال ستوري، وسقاها من بعده هنري كوريل وحتى اليوم .. تكاثرت أسماؤها ، وتلوًّنت أشكالها ، وبقي العفن والخيانة والانحراف مستمكنٌ في صميمها، ولا  زال التآمر محتدمٌ لاستعادتها باسم جديد وأشخاص جُدد واتفاقٍ آخر.

▪️كانت وصية حكماء ألمانيا إلى هتلر عندما صارحهم مشروعه ألمانيا المُتفرِّدة: أن تطهِّر ألمانيا أخلاقياً، وأنشِئ مركز بحوثٍ يدرس النفسية العميقة للشعوب .. فحارب هتلر الرِّبا والشذوذ والدعارة ، ومكَّنته دراسة نفسية الشعوب من احتلال بولندا في يومين ، وسحق الجيشين الفرنسي والانجليزي معاً واحتلال باريس في ست ساعات .. واليوم .. فإن منطقتنا الجيوسياسية والعالم من ورائها ليمرُّون بمخاضٍ عسيرٍ سيَقْبُر النظام العالمي الذي استولدته الحرب العالمية الثانية .. ليُنتج عنه نظامٌ عالميٌّ جديد، والأطراف الفاعلة لديها رُؤىً متباينةً لما يجب أن يكون عليه الواقع الجديد الذي ستصنعه ما ستتمخَّض عنه التفاعلات الجارية، وسيستوجب ذلك زوال دولٍ واندماج أخرى وتقسيم بعضها ، وستتقزم في ذلك أممٌ وستتشرذم أخرى وستتعملق أمم، وسيلتبس الحق على الكثيرين ولاسيما الذين لا تحكمهم مرجعيةٌ قِيَميَّة وعرَّابي الدعارة السياسية الذين يتفاخرون بأن مرجعيتهم هي (مصلحتنا بس) ولا تقول بذلك غير المومسات، وسيضيق الحق عن أولئك الذين يحرصون على السلامة وأحرص الناس على حياة ، ولا سلامة إلا للذين لم يلبِسوا إيمانهم بظُلم ، وإن الذين لا يتعرَّفون على الحق إلا بالرجال قد عكسوا ناموس المعرفة بالحق ، والذين لا يملكون خطة سيكونون بيدقاً في خطط الآخرين ، وإن الوعي والقِيَم التي لا تُنتِج سُلوكاً عملياً لهي قِيَمٌ عقيمةٌ ووعيٌ أعمى ، كالذين حُمِّلوا التوارة ثم لم يحملوها، والذين لايريدون أن يمارسوا وَعْيَهم وقِيَمهم فإنهم اختاروا أن يعيشوا وَعْيَ غيرهم وأن يدينوا بِقِيَم أعدائهم، فربما كَرِه الله انبعاثهم ، فلو أرادوا الخروج لأعدوا له عُدَّة ، ولو أسمعهم الله لَتولَّوْا وهم معرضون ، والطريق طويلٌ .. شاقٌّ ومحفوفٌ بالبلاء ، ومعالمه في سيرة المرسلين، والخيار إما أن نمضي فيه على بصيرةٍ من الوعي والقيم والفداء، وإما أن نُقاد فيه بمشيئة الآخرين، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلُّ سبيلاً.

{ الۤمۤ (١) أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن یُتۡرَكُوۤا۟ أَن یَقُولُوۤا۟ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا یُفۡتَنُونَ (٢) وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَیَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَلَیَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَـٰذِبِینَ (٣) أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِینَ یَعۡمَلُونَ ٱلسَّیِّـَٔاتِ أَن یَسۡبِقُونَاۚ سَاۤءَ مَا یَحۡكُمُونَ (٤) مَن كَانَ یَرۡجُوا۟ لِقَاۤءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَـَٔاتࣲۚ وَهُوَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ (٥) وَمَن جَـٰهَدَ فَإِنَّمَا یُجَـٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦۤۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِیٌّ عَنِ ٱلۡعَـٰلَمِینَ (٦) }
١٩ أغسطس ٢٠٢٥م

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. الفاشر … صمود الشعب ورسالة الأبطال .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات

المقالة التالية

منشورات د. أحمد المفتي رقم 5657 بتاريخ 15 أغسطس 2025 .. الجيش هو أعظم ما يملك الوطن والمواطنون !!!

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *