قد يظن بعض القراء من الوهلة الأولى أن هذا المنشور صعب الفهم، فيعرض عنه القارئ قبل أن يتمه. غير أنني أرجو ممن يقرأه أن يعيد قراءته مرة أو مرتين، لأنني أحاول فيه الربط بين أفكار متعددة من الفلسفة والدين وعلوم الإدارة.
وفي كثير من كتاباتي أستحضر فلسفات مختلفة، وعلى رأسها فلسفة الجودة والإدارة عند المفكر والفيلسوف الأمريكي William Edwards Deming، دكتور / ويليام ادوارد ديمنج كما أستفيد من أفكار فلاسفة آخرين مثل Thomas Kuhn، دكتور / توماس كن صاحب الشفرة الحديثة في البحث العلمي. ومن النقاشات الفلسفية المرتبطة بما يعرف بمشكلة المعرفة عند الفيلسوف Edmund Gettier. وهو
دكتور فيلسوف / اديمون غيتييه.ومبلغ استشهادي بهؤلاء الثلاثة فلاسفة انهم في إطار البحث العلمي الرصين يؤمنون بمبدأ إثبات الحقيقة والتحقق بها عبر البحث التجريبي الموضوعي علاوة علي الإيمان الغيبي بالله سبحانه وتعالي وانه احدي الطرق العرفانية للوصول لحقائف المعرفة .
ومع ذلك فإنني أؤمن بأن المرجعية العليا التي ينبغي أن يهتدي بها الإنسان في إدارة الحياة والعدل بين الناس هي هدي النبي ﷺ وما جاء به الوحي في القرآن الكريم؛ إذ أخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور، ومن الظلم إلى العدل والإحسان، ومن ضيق العيش إلى السعة والرخاء.
وقد استوقفني في أثناء القراءة والتأمل مصطلح في اللغة الإنجليزية هو كلمة [Neuter]، وهي كلمة تشير إلى المتغير الثالث في التقسيم اللغوي للكائنات:
الذكر، والأنثى، والمحايد.
هذا المفهوم يظهر في مجالات متعددة من الطبيعة والحياة. ففي عالم النبات نجد ما يسمى بالزهرة الخنثى، وفي عالم الحيوان نجد التهجين بين الحصان والحمار الذي ينتج عنه البغل، وهو أقوى في العمل وأطول عمرًا ولكنه عقيم. وقد توجد متغيرات أخرى في خلق الله لا نعلمها، فالله سبحانه وتعالى يقول: ويخلق ما لا تعلمون.
وفي الطب ظهرت تسميات قديمة كانت تستخدم لوصف بعض الحالات الوراثية مثل ما كان يسمى قديمًا “الأطفال المنغوليين”، وهو مصطلح تم التخلي عنه منذ ستينيات القرن الماضي لأنه غير دقيق علميًا وغير لائق ثقافيًا. وأصبحت الحالة تعرف علميًا باسم متلازمة داون، نسبة إلى الطبيب البريطاني John جون لانجدون داون Langdon Down الذي وصفها لأول مرة.
وهنا تتغير المصطلحات مع تطور المعرفة والوعي الإنساني، وهذا أمر طبيعي في مسيرة العلم.
غير أن ما يثيرني فكريًا هو انتقال مفهوم الحياد من المجال اللغوي أو البيولوجي إلى المجال الفكري والسياسي. فعندما يتحول الحياد إلى موقف دائم في قضايا الحق والباطل، فإنه قد يتحول إلى حالة من الخمول العقلي والكسل عن الفعل، بل وبكل تأكيد هو النفاق والباطل عينه او نوع من انواع النفاق المقنع المستتر..
فنسمع من يقول: “هذه الحرب لا تعنيني، إنها صراع بين جنرالين”، أو يتخذ موقف المتفرج بينما تتعرض الأوطان للانهيار.
ومن هنا أرى أن وهم الحياد أو ان شئت قل [[ النفاق ]] قد يكون أحد الأسباب الخفية التي تطيل أمد الأزمات والحروب، ومنها الحرب الدائرة اليوم في السودان، حين يتبنى بعض الفاعلين السياسيين أو الاجتماعيين موقف “اللا موقف”.
وهذا ما سأحاول مناقشته في بقية هذه السلسلة من المنشورات.
والله من وراء القصد.
وهم الحياد: أفكار وحقائق ظاهرة لكنها غائبة، وبغيابها يطول زمن الحروب في السودان وغيره (1 من 3) .. بقلم/ د. بابكر عبدالله محمد علي
المقالة السابقة


