مقدمة
كنتُ يوماً ضمن المدعوين إلى اجتماع الخبراء الحكوميين. كان ذلك في الأسبوع الأول من مارس عام 2015 في العاصمة الملقاسية أنتاناناريفو، لحضور أعمال الاجتماع التاسع عشر للجنة الخبراء الحكوميين للمكتب الإقليمي للأمم المتحدة لشرق وجنوب أفريقيا. وقد شاركت في ذلك الاجتماع وفود من أربع عشرة دولة أفريقية، لم يكن من بينها السودان. وقد كان موضوع ذلك المنتدى هو الاقتصاد الأزرق الذي برز كأحد المسارات الواعدة لتحقيق التنمية المستدامة في الدول الساحلية والجزرية. وقد قال كبير منظمي المنتدى بأن الماراثون العالمي نحو الاقتصاد الأزرق قد بدأ ونريد أن تكون أفريقيا ضمن هذا الماراثون.
تنطلق هذه الورقة من محاولة تقديم رؤية أولية حول مفهوم الاقتصاد الأزرق وأهميته في دعم التنمية الاقتصادية المستدامة، مع لفت انتباه صانعي السياسات في السودان إلى أهمية دراسة جدوى تبني استراتيجية وطنية للاقتصاد الأزرق بما يتناسب مع الموارد الطبيعية التي يمتلكها السودان وإمكاناته التنموية.
الخلفية التاريخية والتنظيم الدولي
ارتبطت علاقة الإنسان بالبحار والمسطحات المائية منذ القدم بأنشطة اقتصادية متعددة، مثل الصيد والتجارة البحرية والنقل، حيث شكلت البحار والأنهار عبر التاريخ مسارات مهمة للتبادل التجاري ومصادر أساسية للغذاء والموارد الطبيعية.
ومع تزايد الضغوط البيئية خلال القرن العشرين نتيجة النمو السكاني والتوسع الاقتصادي والتطور الصناعي، برزت الحاجة إلى وضع أطر قانونية وتنظيمية دولية تنظم استخدام الموارد البحرية والمائية، لتضمن حمايتها من الاستنزاف والتلوث.
وفي هذا السياق ظهرت مجموعة من الاتفاقيات الدولية التي أرست أسس الإدارة المستدامة للبحار والمحيطات. ومن أبرز هذه الاتفاقيات اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار التي تُعد الإطار القانوني الأساسي لتنظيم استخدام البحار والمحيطات، وتحديد حقوق الدول الساحلية في استغلال مواردها البحرية، إضافة إلى تنظيم الملاحة البحرية وحماية البيئة البحرية.
كما أسهمت اتفاقية التنوع البيولوجي في دعم الجهود الدولية الرامية إلى حماية البيئة البحرية، من خلال تشجيع الدول على الحفاظ على التنوع البيولوجي، بما في ذلك النظم البيئية البحرية والساحلية.
إلى جانب ذلك، تضطلع منظمات دولية بدور مهم في هذا المجال، من بينها برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة البحرية الدولية، اللتان تعملان على تطوير السياسات والمعايير الدولية المتعلقة بحماية البيئة البحرية وتنظيم الملاحة البحرية.
وقد ساهمت هذه الاتفاقيات والمؤسسات الدولية في ترسيخ مفهوم الإدارة المستدامة للموارد البحرية، مما شكل الأساس الفكري والقانوني الذي يستند إليه مفهوم الاقتصاد الأزرق في السياسات التنموية المعاصرة.
الفكرة المنشئة للاقتصاد الأزرق
نشأ مفهوم الاقتصاد الأزرق في سياق البحث عن نماذج اقتصادية جديدة قادرة على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. وتستند رؤية الاقتصاد الأزرق إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، من أهمها الاستدامة البيئية، وكفاءة استخدام الموارد وترشيدها، والاعتماد على الابتكار والتكنولوجيا، إضافة إلى تحسين سبل العيش من خلال توفير فرص عمل مستدامة وتحسين الظروف الاقتصادية للمجتمعات التي تعتمد على الموارد المائية. ومن خلال هذه المبادئ يسعى الاقتصاد الأزرق إلى بناء نموذج تنموي متوازن يحقق التكامل بين الاقتصاد والبيئة والمجتمع.
أهداف الاقتصاد الأزرق
يهدف الاقتصاد الأزرق إلى تنظيم وتنمية مجموعة من الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالموارد البحرية والمائية بصورة مستدامة، من أبرزها الصيد البحري، والاستزراع السمكي، والنقل البحري، والسياحة الساحلية، وإنتاج الطاقة المتجددة من البحار والمحيطات، إلى جانب تطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بالموانئ والبيئة البحرية.
ومن خلال هذه الأنشطة تهدف استراتيجية الاقتصاد الأزرق إلى تحقيق عدد من الأهداف التنموية المهمة، من بينها تعزيز التنمية الاقتصادية المستدامة من خلال الاستثمار في القطاعات المرتبطة بالموارد البحرية والمائية، وحماية التنوع الحيوي البحري عبر الحد من التلوث وتنظيم أنشطة الصيد. وليسهم الاقتصاد الأزرق في تحقيق الأمن الغذائي من خلال تطوير قطاع الصيد والاستزراع السمكي بصورة مستدامة، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة في مجالات السياحة البحرية والنقل البحري والطاقة المتجددة. كما يسهم في تعزيز القدرة على مواجهة التغير المناخي من خلال تطوير مصادر طاقة نظيفة وتقليل الانبعاثات المرتبطة بالأنشطة البحرية.
التجارب الدولية الرائدة
شهد العالم في العقود الأخيرة تحولاً ملحوظاً في طريقة إدارة الموارد الطبيعية، حيث لم يعد الهدف مجرد تعظيم الاستفادة الاقتصادية من هذه الموارد، بل أصبح التركيز منصباً على تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة وضمان استدامة الموارد للأجيال القادمة.
وفي ضوء هذا التوجه، تبنت العديد من الدول سياسات واستراتيجيات تقوم على مفهوم الاقتصاد الأزرق، وحققت من خلالها تقدماً ملحوظاً في استثمار مواردها البحرية بصورة مستدامة. من بينها من بينها الولايات المتحدة، الصين والاتحاد الأوروبي الذي اعتمد استراتيجية متكاملة تُعرف باستراتيجية «النمو الأزرق» تهدف إلى دعم الابتكار في القطاعات البحرية وتعزيز الاستخدام المستدام للموارد البحرية وتشجيع الاستثمار في مجالات الطاقة البحرية والسياحة الساحلية والنقل البحري.
كما حققت دول مثل أستراليا وسيشل نجاحات ملحوظة في تطوير السياحة البحرية والبيئية وتنفيذ برامج فعالة لحماية النظم البيئية الساحلية والحفاظ على التنوع البيولوجي البحري. وتقدم هذه التجارب نماذج مهمة يمكن للدول الأخرى الاستفادة منها عند وضع سياساتها الوطنية المتعلقة بالاقتصاد الأزرق.
استراتيجية للاقتصاد الأزرق في السودان
بالنسبة للسودان، فإن تبني استراتيجية خاصة بالاقتصاد الأزرق تمثل فرصة استراتيجية مهمة، نظراً لما يتمتع به من موارد مائية متنوعة تشمل ساحلاً مهماً على البحر الأحمر، إضافة إلى نهر النيل وروافده، وعدد من البحيرات والسدود الداخلية. ويمكن لهذه الموارد أن تشكل أساساً لاقتصاد مائي مستدام يسهم في تعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الدخل القومي وخلق فرص عمل جديدة، خاصة في المجتمعات الساحلية.
خارطة طريق للاقتصاد الأزرق في السودان
لوضع وتنفيذ سياسة الاقتصاد الأزرق في السودان، يتطلب ذلك إقامة مبادرة وغتخاذ قرار بإنشاء وحدة فنية للإقتصاد الأزرق لتضع إطاراً استراتيجياً متكاملاً يحدد الرؤية والأهداف والآليات المؤسسية اللازمة لتنفيذ هذه السياسة.
أن يبدأ ذلك بتحديد جهة وطنية مرجعية تتولى تنسيق الجهود بين المؤسسات الحكومية المختلفة المعنية بالموارد البحرية والمائية، نظراً لتداخل أنشطة الاقتصاد الأزرق مع قطاعات الإنتاج والخدمات والبنية التحتية.
كما يتطلب الأمر تقييم الموارد المتاحة، بما يشمل دراسة الإمكانات الاقتصادية للبحر الأحمر ونهر النيل والبحيرات والسدود الداخلية.
ومن الخطوات الضرورية كذلك تطوير الإطار القانوني والمؤسسي من خلال تحديث التشريعات المتعلقة بالصيد والبيئة والنقل البحري بما يتوافق مع المعايير الدولية، إضافة إلى إعداد استراتيجية وطنية للاقتصاد الأزرق تحدد الأولويات الاقتصادية والبيئية وخارطة الطريق للاستثمار في القطاعات البحرية والمائية.
كما ينبغي تعزيز الاستثمار في البنية التحتية التي ترتبط بالاقتصاد الازرق، مثل تطوير الموانئ وتحسين تقنيات الصيد ودعم مشاريع الاستزراع السمكي، إلى جانب دعم البحث العلمي وإنشاء مراكز متخصصة في الدراسات البحرية والبيئية.
ولا يقل أهمية عن ذلك بناء القدرات البشرية من خلال تدريب الكوادر الوطنية في مجالات الإدارة البحرية والاقتصاد الأزرق، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي مع الدول المطلة على البحر الأحمر والمؤسسات الدولية المعنية بالبيئة البحرية بشكل فعّال.
التحديات المحتملة
رغم الفرص الكبيرة التي يمكن أن يوفرها الاقتصاد الأزرق، إلا أن تطبيقه قد يواجه عدداً من التحديات، من أبرزها ضعف البنية التحتية المرتبطة بالأنشطة البحرية مثل الموانئ ومرافق الصيد، ونقص التمويل والاستثمارات اللازمة لتطوير القطاعات البحرية والمائية.
كما تشمل هذه التحديات محدودية الكوادر المتخصصة في مجالات الاقتصاد البحري والإدارة البيئية، والتأثيرات المتزايدة للتغير المناخي على النظم البيئية البحرية، إضافة إلى وجود أنشطة غير منظمة مثل الصيد غير القانوني والتلوث البحري. غير أن التعامل مع هذه التحديات يمكن أن يحولها إلى فرص تنموية من خلال تبني سياسات متكاملة تجمع بين التخطيط الاقتصادي والإدارة البيئية المستدامة.
الفوائد المتوقعة للسودان
يمكن أن يحقق السودان العديد من المكاسب من خلال تبني مفهوم الاقتصاد الأزرق، من أهمها تعزيز الإنتاج السمكي وتطوير قطاع الاستزراع المائي، وتنمية المجتمعات الساحلية وتحسين مستوى المعيشة فيها.
كما يسهم الاقتصاد الأزرق في حماية النظم البيئية البحرية والحفاظ على التنوع البيولوجي، وخلق فرص استثمارية جديدة في مجالات السياحة البحرية والطاقة المتجددة. إضافة إلى ذلك، يسهم الاقتصاد الأزرق في تعزيز الأمن الغذائي وتنويع مصادر الدخل القومي، وتحسين فرص الملاحة البحرية والنهرية بما يدعم حركة التجارة والنقل.
الخلاصة
يمثل الاقتصاد الأزرق أحد المسارات الواعدة لتحقيق التنمية المستدامة في السودان، إذ يوفر إطاراً متكاملاً لإدارة الموارد البحرية والمائية بصورة تحقق التوازن بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تبني رؤية استراتيجية واضحة، وتطوير التشريعات والمؤسسات، وتعزيز البحث العلمي وبناء القدرات البشرية، إلى جانب توسيع التعاون مع المنظمات الدولية والدول الإقليمية للاستفادة من الخبرات والتجارب العالمية.
ومن خلال هذه الجهود يمكن للسودان أن يستثمر موارده المائية بصورة أكثر كفاءة واستدامة، بما يسهم في تعزيز التنمية الاقتصادية وحماية البيئة الطبيعية للأجيال القادمة.
الصادق عبدالله أبوعيّاشة
8 مارس 2026

