مقدمة
تقليل سكان الأرض، هل الحروب آلية غير معتمدة في الأجندة الرسمية لتقليل البشر؟
شاركت في عام مضى ضمن فريق عمل لإعداد دراسة حول تأثير التغير المناخي على الأمن الإنساني في المنطقة العربية. وقد كانت الدراسة بعنوان التغير المناخي والأمن الإنساني العربي، لتؤكد الدراسة أن التغير المناخي مؤثر لا شك على الأمن السكاني من حيث الحجم، والتوزيع، وأنماط الاستهلاك. وأن الأمن الإنساني في جوهره يعني أمن الناس: غذاءً وصحةً وسكناً واستقراراً وكرامةً. ومن ثمّ فإن فهم التحولات الديموغرافية (السكانية) شرطٌ لازم لفهم مستقبل البيئة والاستقرار البشري.
وبرغم أن قد خلصت الدراسة وقتها إلى أهمية أن تتبنى المنطقة العربية نماذج استراتيجية بعيدة المدى تربط بين السكان والمناخ والأمن الإنساني ضمن رؤية شاملة للمستقبل. لكن برز سؤال للباحث، هل ما يشهده العالم وفي قلبه المنطقة العربية من حروب قتالية وانتشار أوبئة، هل هي جزء من سيناريو أكبر لم يذكر ولم يشر إليه في استراتيجيات مكافحة ودرء آثار التغير المناخي؟.
وقد كانت قضية السكان، ضمن مناقشة استراتيجيات مكافحة التغير المناخي ودرء آثاره. وقضية السكان وإن ظهرت ضمن ما تم التعارف عليه المعلوم بقضية احترار الأرض وما ترتب عليها من مفهوم التغير المناخي، والاستراتيجيات والسياسات والفعاليات الراتبة. فهي (أي قضية السكان) لا تنفك عن قضايا أخرى لها ابعاداً عنصرية وايدولوجية،
ديناميات سكان الأرض
تقول الدراسات بأن عدد سكان العالم قد نما منذ مئات الآلاف من السنين ليبلغ فقط مليار نسمة في العام 1800م، (أي حتى قبل قرنين فقط). لكن تسارع النوا وتضاعف السكان عدة مرات خلال القرنين الأخيرين، متجاوزاً ثمانية مليارات في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. ويُتوقع أن يقترب العدد من عشرة مليارات نسمة بحلول 2050م، هذا مع استمرار النمو في بعض الأقاليم، خاصة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مقابل استقرار أو تراجع سكاني في أوروبا بسبب انخفاض معدلات الخصوبة دون مستوى الإحلال. وأن لمنطقة آسيا التي تعيش عليها نحو ثلثي البشر حسابات أخرى متغيرة.
وأن النمو البشري، لم يكن نتيجة زيادة الخصوبة وحدها، بل بسبب تحسن الرعاية الصحية وارتفاع متوسط العمر المتوقع وانخفاض الوفيات، إضافة إلى التحضر المتسارع والهجرة. وبقي السؤال الجوهري: ما الحمولة القصوى لكوكب الأرض في ظل معدلات الاستهلاك الحالية؟ فالمشكلة لا تتعلق بعدد السكان فقط، بل بنمط حياتهم ومستوى استهلاكهم للموارد، إضافة لقدرة الارض على تجديد محصولها من الغذاء.
هذا في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العربية تضاعف عدد السكان خلال الخمسة عقود الماضية من نحو مائة وثلاثين مليوناً عام 1970م، إلى ما يقارب الأربعمائة وخمسين مليوناً حتى نهاية العقد الثاني بعد الألفية، مع توقعات استمرار الزيادة السكانية للتتجاوز نصف مليار نسمة بحلول 2050م.
تتميز المنطقة العربية بارتفاع معدلات التحضر والتمدن (التحول من البادية والريف إلى المدن)، حيث بلغ سكان المدن أكثر من نصف جملة السكان، مع تزايد الهجرة والنزوح بسبب النزاعات والحروب والتغير المناخي.
كما تواجه المنطقة العربية تحديات مزدوجة، تتمثل في: شح الموارد المائية، وتدهور الأراضي، وارتفاع درجات الحرارة من جهة، وضغوط الزيادة وحركة السكان والحالة الاقتصادية من جهة أخرى. كذلك تُعدّ المنطقة من أكثر مناطق العالم تصديراً واستقبالاً للهجرة، فضلاً عن استضافتها نسبة كبيرة من لاجئ العالم. هذه المعطيات تجعل قضية السكان والمناخ والأمن الإنساني مترابطة بصورة وثيقة في السياق العربي.
السكان والبيئة
تشير أدبيات البيئة إلى أن التأثير البشري على النظم البيئية يتحدد بثلاثة عناصر: حجم السكان، ومستوى الاستهلاك، وكفاءة التكنولوجيا المستخدمة. فحتى لو استقر عدد السكان، فإن تضاعف نصيب الفرد من الاستهلاك قد يؤدي إلى ضغط بيئي أكبر. وقد شهد القرن العشرون زيادة سكانية هائلة، مع زيادة نصيب الفرد في الإستهلاك، رافقها توسع في الزراعة، وقطع الغابات، والتصنيع، واستهلاك الطاقة الأحفورية، ما أدى إلى تزايد انبعاثات غازات الدفيئة وفقدان التنوع البيولوجي وتدهور الأراضي.
من الواقع الماثل وتنامي المهددات برزت نقاشات حول استدامة النمو السكاني، وقدرة الأرض على توفير الغذاء والماء والطاقة. وتفاوتت التقديرات بشأن القدرة الاستيعابية للكوكب، تبعاً للمعايير المعتمدة: هل تُحسب وفق الحد الأدنى للبقاء، أم وفق مستوى معيشي كريم يتضمن التعليم والصحة والسكن اللائق والطاقة النظيفة؟
لكن كان مجمل النقاش يدور حول القدرة الاستيعابية القصوى للكوكب. وقد تعددت التقديرات؛ بين إمكان استيعاب ثلاثة عشر مليار نسمة استناداً إلى مساحة الأراضي الصالحة للسكن، وحسابات أخرى معنية بمدى قدرة الأرض على توفير الغذاء والماء والطاقة.
الدعوة إلى تقليل السكان
في ظل تصاعد الاستهلاك المرتبط بالثراء عاملاً ضاغطاً يفوق أثر النمو السكاني وحده. في هذا السياق تصاعدت الدعوات إلى خفض سكاني “سريع وحاسم” بوسائل إنسانية، مع رفض الحروب والأوبئة كخيارات غير أخلاقية. وفي المعالجة تتباين المقاربات المطروحة لمعالجة العلاقة بين السكان والبيئة، ويمكن تلخيصها في ثلاثة مسارات رئيسة:
الحلول التكنولوجية: تطوير مصادر طاقة متجددة، ورفع كفاءة استخدام الموارد، وتحسين إنتاج الغذاء، والحد من الانبعاثات السامة والملوثة للغلاف الجوي
التحول الديموغرافي: تشجيع انخفاض معدلات الخصوبة طوعياً من خلال التعليم، وتمكين المرأة، وتحسين خدمات الصحة الإنجابية.
تغيير أنماط السلوك والاستهلاك: ترشيد الاستهلاك، والحد من الهدر، وتعزيز الاقتصاد الدائري.
السيناريوهات المستحيلة
وقد برزت قضية السكان، التي ليست هي شأناً رقمياً مجرداً، بل هي مسألة تنموية وأخلاقية في آنٍ واحد. فالتحدي لا يكمن في عدد البشر وحده، بل في كيفية إدارة الموارد بعدالة وكفاءة، وضمان حق كل إنسان في حياة كريمة دون الإضرار بحقوق الأجيال القادمة.
وأخطر ما يُطرح في أدبيات تتعلق بسيناريو الحد من الاستهلاك، ذلك ما يشار إلى خيار الحروب والأوبئة أو الأسلحة البيولوجية كعوامل تؤدي إلى خفض عدد السكان. وهذه الأطروحات هي في الحقيقة تمثل تهديداً مباشراً للأمن الإنساني، وهي في ذات الوقت تتناقض مع القانون والأخلاق والمعتقدات الإنسانية.
لقد أثبت التاريخ أن الأسلحة البيولوجية تشكل خطراً عابراً للحدود، وأن الجراثيم لا تميّز بين معتدٍ وضحية. ورغم وجود معاهدات لحظر هذه الأسلحة، فإن المخاوف من إساءة استخدام التقنيات الحيوية تظل قائمة، خاصة في ظل تطور الهندسة الوراثية. غير أن التقدم العلمي في مجال الأحياء الدقيقة أسهم كذلك في إنتاج اللقاحات والأدوية وإنقاذ ملايين الأرواح، مما يؤكد أن التحدي ليس في العلم ذاته، بل في توجيهه أخلاقياً.
رغم تمسّك السياسات الرسمية بالنهج الإنساني القائم على خفض الخصوبة طوعاً عبر التعليم والتنمية، ورفض أي إكراه أو تمييز، واستبعاد سيناريوهات تقليل البشر غير الأخلاقية من الاستراتيجيات المعلنة، فإن موطن الخطورة يكمن في وجود أطروحات تزعم أنه لا توجد أدوات سياسية سهلة لتغيير حجم السكان سريعاً خلال هذا القرن دون المساس بالاعتبارات الأخلاقية وحقوق الإنسان.
وفي ثنايا بعض الأدبيات يُشار أحياناً إلى الأوبئة غير المسبوقة بوصفها عاملاً ديموغرافياً مؤثراً، بما يفتح الباب لتأويلات مقلقة. كما تعود إلى السطح بين حين وآخر أفكار ما يُعرف بـ“المليار الذهبي”، التي تفترض أن ازدهار الأرض مرهون بحصر سكانها في مليار نسمة فقط، والتخلص من أي زيادة فوق ذلك. والسؤال الأخلاقي الجوهري: من ذا الذي يملك حق تحديد الناجين ضمن هذا “المليار”، وبأي معيار إنساني يمكن تبرير مثل هذا الإقصاء؟
الصادق عبدالله أبو عياشة
3 مارس 2026
قضية السكان .. بقلم/ الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير، مستشار في السياسات العامة، الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة
المقالة السابقة

