Popular Now

وجه الحقيقة | إطفاء أنوار المطار..! .. بقلم/إبراهيم شقلاوي

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (٢) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

صفقات ترامب والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران .. تقرير إستراتيجي تحليلي .. مهلة الأيام الخمسة… بين التهديد بإسقاط النظام وإعادة تشكيل التوازن الدولي..(سلام إيران 1/3) د. الزمزمي بشير عبد المحمود – باحث مختص في الشأن الأفريقي

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (٢) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

في أدبيات الفكر الاستراتيجي يؤكد المفكر الأمريكي هاري . آر يارغر . أن الاستراتيجية ليست مجرد إدارة للصراع، بل هي فن المواءمة بين الغايات والإمكانات والبيئة الجيوسياسية الحاكمة. ويذهب جوزيف هينروتين إلى أن الدول التي تعجز عن قراءة بيئتها الداخلية وتناقضاتها البنيوية تصبح أسيرة دورات عنف متكررة مهما تبدلت النخب الحاكمة. أما هارفي كونار – فيؤكد أن الجغرافيا ليست قدراً صامتاً، بل فاعل استراتيجي دائم التأثير يعيد إنتاج الأزمات إذا لم تُحسن السلطة فهمه وتدبيره.
انطلاقاً من هذا المدخل النظري، يمكن قراءة التاريخ السياسي لإثيوبيا بوصفه تجسيداً حيّاً لصراع دائم بين المركز والأطراف، بين طموح الإمبراطورية وضغط القوميات، وبين إرادة السلطة وحدود الجغرافيا.
شهدت إثيوبيا في نهايات عهد الإمبراطور هيلاسلاسي حالة فساد عميق في الحكم وتراجعاً نادراً في الكفاءة الإدارية، في ظل شح الموارد وضعف البنية الاقتصادية، إذ لم تكن البلاد تصدّر سوى البن والحبوب الزيتية. ومع موجة الجفاف التي ضربت البلاد بين عامي 1972 و1973، تحولت الأزمة الطبيعية إلى كارثة سياسية؛ فقد اجتاحت المجاعة أقاليم واسعة وأودت بحياة أكثر من مائتي ألف إثيوبي، خاصة في إقليم التغراي، لتصبح نقطة انعطاف تاريخية عجّلت بأفول نجم الإمبراطور.
لم تكن المجاعة وحدها سبب الانفجار، بل إن إنكار الحكومة لوجود الأزمة، والمضي في تصدير القمح من المناطق غير المتضررة، عمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع وأفقد السلطة ما تبقى من شرعية معنوية. وفي مناخ الاحتقان هذا، أخذ التمرد العسكري في التنامي تدريجياً. وجاء عام 1974 ليشكل لحظة التحول الكبرى، خاصة بعد انتصار ثوار إريتريا على الجيش الإثيوبي، وتمرد صغار الضباط داخله، وصولاً إلى إعلان إضراب عام تضامناً مع مطالبهم.
في 13 سبتمبر 1974 سيطر الضباط على مقاليد السلطة بقيادة الرائد منغستو هايلي الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره آنذاك. اعتُقل الإمبراطور، ثم قُتل في مايو 1975 في حادثة مأساوية مثّلت نهاية درامية لعهد إمبراطوري طويل. أعقب ذلك ما عُرف بعهد الرعب الأحمر، حيث دخلت البلاد مرحلة من العنف الثوري والقمع الدموي، لتنتقل إثيوبيا من استبداد إمبراطوري تقليدي إلى استبداد ثوري أكثر قسوة وانغلاقاً.
رغم أن هيلاسيلاسي سعى إلى بناء دولة مركزية قوية عبر فرض سلطته على أقاليم البلاد – باستثناء إقليم التغراي الذي ظل عصياً نسبياً – فإن ثورات القوميات لم تهدأ طوال عهده. ويُعزى ذلك إلى تجاهله الممنهج لمطالب القوميات المختلفة، وتبنيه سياسة هيمنة واضحة لقومية الأمهرا، الأمر الذي أفرز توترات بنيوية عميقة.
شهد عهده ثورة التغراي، وأبرزها انتفاضة وياني عام 1943، التي تكبد فيها الجيش الإثيوبي هزيمة لافتة. كما اندلعت ثورات قومية للأورومو احتجاجاً على المركزية القابضة، معتبرين أن أراضيهم ضُمّت بالقوة في عهد الإمبراطور منليك الثاني في القرن التاسع عشر. وكذلك كانت ثورة الأوغادين، حيث ظل جرح الضم القسري مفتوحاً، واستمرت جبهة تحرير الصومال الغربي في إبقاء مطالب الإقليم حيّة، محققة انتصارات مهمة على الجيش الإثيوبي في عهد هيلاسيلاسي.
أما الثورة الإريترية فمثّلت التحدي الأكبر للنظام الإمبراطوري؛ فبعد ضم إريتريا إلى إثيوبيا، أعلن الإريتريون ثورتهم عام 1961 رفضاً للاتحاد القسري، لتدخل البلاد في حرب استنزاف طويلة أضعفت الدولة وأرهقت جيشها واقتصادها.
هكذا تكشف التجربة الإمبراطورية أن تجاهل التعدد القومي والرهان على مركزية مفرطة في بيئة جغرافية معقدة يؤديان حتماً إلى انفجارات دورية. إنها لعنة الجغرافيا حين تُدار بعقلية الهيمنة لا بعقلية التوازن.
وإذا انتقلنا إلى الحاضر، نجد أن تعاقب الأنظمة في إثيوبيا يعيد إنتاج الظواهر ذاتها، وإن اختلفت الأدوات والسياقات. فقد شن رئيس الوزراء آبي أحمد حرباً ضروساً على إقليم التغراي في عام 2021، في سياق صراع داخلي اتخذ أبعاداً عسكرية وإنسانية خطيرة. واليوم يتبنى النظام مشروعات إقليمية مثيرة للجدل، بدءاً من ملف سد النهضة، مروراً باتفاقات تتعلق بإقليم صومالي لاند، وتحالفات إقليمية مع قوى خارجية، وصولاً إلى توترات متصاعدة مع إريتريا.
وفي السياق السوداني، تُتهم أديس أبابا بالتدخل المباشر في مجريات الصراع عبر دعم ميلشيا الدعم السريع والحركة الشعبية وفتح معسكرات تدريب وجلب مرتزقة أجانب فضلاً عن إرسال طائرات مسيّرة استهدفت مناطق مدنية في ولايات السودان المختلفة . وبغض النظر عن الجدل السياسي المحيط بهذه الاتهامات، فإن الثابت استراتيجياً أن أي انخراط مباشر أو غير مباشر في نزاعات الجوار يعمّق من هشاشة البيئة الإقليمية، ويعيد إنتاج دائرة الصراع عبر الحدود.
إن قراءة المشهد من زاوية الفكر الاستراتيجي تكشف أن إثيوبيا ما تزال عالقة في معضلة التوفيق بين طموح الدولة المركزية ومتطلبات التعدد القومي، وبين مشروعات التمدد الإقليمي وضغوط الداخل المتشظي. فالأزمات الداخلية – من توترات عرقية إلى تحديات اقتصادية – تتناسل يوماً بعد يوم، بالتوازي مع توترات متصاعدة مع دول الجوار.
من هنا يطرح السؤال نفسه: هل نحن أمام إعادة إنتاج للأخطاء التاريخية ذاتها ولكن بأدوات حديثة؟ وهل يصبح ما يُوصف أحياناً بجنون العظمة السياسية عاملاً مفسراً لسلوك إقليمي يتجاوز حدود الإمكانات الواقعية للدولة؟
إن حرب جنوب النيل الأزرق، في سياقها الأوسع، لا يمكن فصلها عن هذا المشهد المركب، حيث تتقاطع حسابات الداخل الإثيوبي مع رهانات النفوذ الإقليمي. وكما علّمنا التاريخ، فإن الدول التي لا تتعلم من دورات أزماتها السابقة تجد نفسها، مرة بعد أخرى، أمام امتحان الجغرافيا ذاته.
ختاماً، فإن ميراث الحكام في إثيوبيا يكشف عن معادلة دقيقة: كلما اختلّ ميزان التوازن بين المركز والأطراف، وبين الطموح والقدرة، وبين الداخل والجوار، عادت أحكام التاريخ لتفرض نفسها بقسوة. فالجغرافيا لا تعاقب، لكنها لا ترحم من يتجاهل منطقها.

السبت الموافق 28/3/2026

المقالة السابقة

صفقات ترامب والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران .. تقرير إستراتيجي تحليلي .. مهلة الأيام الخمسة… بين التهديد بإسقاط النظام وإعادة تشكيل التوازن الدولي..(سلام إيران 1/3) د. الزمزمي بشير عبد المحمود – باحث مختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

وجه الحقيقة | إطفاء أنوار المطار..! .. بقلم/إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *