مقدمة
لا شك أنّ التغير المناخي وآثاره لا تقتصر على المنطقة العربية. مع تجدد ظواهر المناخ المتطرفة في المنطقة العربية، التي تتكرر في كل موسم ظواهر مناخية مقلقة لحياة الناس، لا بد أن تتجدد الكتابة للتذكير والتعريف ورفع مستوى الوعي لمخاطر التغير المناخي، ولأهمية وصياغة استراتيجيات تعنى بالتغير المناخي ودرء آثاره المدمرة.
هذا العرض موجز لدراسة إقليمية موسعة، بشأن التغير المناخي ومستقبل الأمن الإنساني في المنطقة العربية. وقد هدفت الدراسة للتعريف بأبعاد التغير المناخي، مهدداته وأبعاده في المنطقة العربية،. كما هدفت لاقتراح رؤى الإستراتيجية للتحسب وتعاون دول الإقليم في جهود درء الآثار السلبية للتغير المناخي على الإنسان العربي. وتتضمن الرؤى مظان الشراكة الإقليمية وملامح عمل استراتيجي مشتمل على مشروعات غايتها درء آثار التغير المناخي.
الخطر الداهم
يعزى التغير المناخي إلى ظاهرة احترار الغلاف الجوي للأرض، بسبب تضاعف البشر وزيادة استهلاكهم للوقود والضغط على الموارد الطبيعية بما يتجاوز قدرة الأرض على تجديد محصولها من الماء والنبات والهواء، وتلوث مكونات الأرض وتعرض أنواع عديدة من الحياة للانقراض. وقد اتفقت البشرية على خطورة الموقف، وتنتظم في مشاورات بصورة راتبة، وأقامت مؤسسات، وأقامت اتفاقات وبرامج لتحجيم التغيير المناخي ودرء آثاره على الحياة على سطح الأرض.
وعبر المتابعة العلمية والدراسات المتعمقة للتغير المناخي، وصلت البشرية إلى القناعة بأن التغير المناخي لا يقف عند أنه مجرد ظاهرة بيئية عابرة، بل أنه ظواهر بيئية متداخلة ومتكررة، ومضاعفة، ليصنف بأنه أحد أخطر التحديات الوجودية التي تواجه البشرية. وفي هذا الصياغ يتم تصنيف المنطقة العربية بأنها أحد أكثر مناطق العالم هشاشة مناخيًا. وأنها لم تتصدى للظاهرة بما يناسب مهدداتها ومقدراتها.
وقد انخرط العالم منذ أكثر من نصف قرن في مداولات واتفاقيات واستراتيجيات وأنشطة للتعاون على درء آثار المناخ الذي يهدد حياة الإنسان على سطح الأرض.
بحسب تعريفها التغيرات المناخية ليست هي تقلبات أنماط الطقس المعلومة المعتادة، بل هي تغيرات في عناصر المناخ ذات تأثير واسع وعميق على بنية أعلى حياة المجتمعات والاقتصادات، لتعيد تشكيل ملامح الاستقرار الإنساني.
في هذا السياق، يتجاوز التغير المناخي كونه قضية بيئية ليصبح عاملًا مضاعفًا للتهديدات، يتداخل مع الفقر، والبطالة، والنزاعات، وضعف أنظمة لحوكمة، مما يؤدي إلى تعقيد مشهد الأمن الإنساني، ويهدد فرص التنمية المستدامة.
هشاشة المنطقة العربية في مواجهة التغير المناخي
أولاً: ملامح عامة للهشاشة البيئية
تتسم المنطقة العربية، بحكم موقعها الجغرافي واتساع رقعتها وتنوع مكوناتها الطبيعية بين اليابسة والمسطحات المائية، بدرجة عالية من التعرض لمخاطر التغير المناخي. ويعزز هذه الهشاشة النمو السكاني المتسارع، الذي تضاعف خلال عقود محدودة بما يفوق 300%، إلى جانب محدودية الوعي البيئي، والتحولات المتسارعة في أنماط الحياة من الطابع التقليدي إلى التمدن والاستهلاك المكثف.
تتضافر مجموعة من الخصائص البنيوية لتزيد من قابلية المنطقة للتأثر، من أبرزها: شح الموارد المائية والاعتماد على مصادر محدودة، وهيمنة المناخ الجاف وشبه الجاف على معظم أراضيها، واعتماد قطاعات واسعة من السكان على الزراعة والموارد الطبيعية، فضلاً عن التفاوت الكبير في القدرات المؤسسية والاقتصادية بين الدول. ويُضاف إلى ذلك استمرار ضعف الوعي بقضايا التغير المناخي، مما يحد من فعالية الاستجابة المجتمعية والرسمية.
ثانياً: مؤشرات التغير المناخي في المنطقة
تشير التقديرات العلمية إلى أن درجات الحرارة في أجزاء واسعة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرشحة للارتفاع بما يتراوح بين 3 إلى 5 درجات مئوية، وهو معدل يتجاوز ضعف المتوسط العالمي. وفي المقابل، يُتوقع انخفاض معدلات الأمطار بنحو 20%، الأمر الذي من شأنه تعميق أزمة المياه وتهديد الأمن الغذائي.
كما يبرز خطر ارتفاع مستوى سطح البحر كأحد التحديات الكبرى، حيث يهدد المناطق الساحلية المنخفضة، بما في ذلك السواحل الممتدة في الخليج العربي والساحل الإفريقي ودلتا النيل. ومع تفاقم هذه الظاهرة، قد تشهد المنطقة موجات نزوح سكاني واسعة خلال العقود القادمة، بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية وأمنية.
ثالثاً: الخصائص الجغرافية المفاقِمة للهشاشة
يمكن إجمال أبرز الخصائص التي تفاقم من هشاشة المنطقة العربية، كالآتي:
ندرة المياه وشح الأمطار.
وقوعها ضمن نطاق جغرافي حار بطبيعته، يعاني من إجهاد حراري مرتفع.
اتساع الرقعة الصحراوية وقلة الغطاء النباتي.
تكرار موجات الجفاف ووجود فجوات غذائية متزايدة.
امتداد سواحل طويلة تضم موانئ ومدناً ذات كثافة سكانية عالية.
ارتفاع معدلات النمو السكاني.
تزايد الهجرة البيئية داخل الإقليم وإليه، في ظل محدودية القدرة على الاستيعاب.
رابعاً: خريطة الهشاشة المناخية ومهددات الأمن الإنساني
تتجلى هشاشة المنطقة العربية من خلال منظومة معقدة من المخاطر المتداخلة التي لا تعمل بمعزل عن بعضها، بل تتفاعل بصورة تراكمية قد تفضي إلى دوائر متصاعدة من عدم الاستقرار. ومن أبرز هذه المهددات:
الكوارث المناخية المتطرفة : مثل الفيضانات والجفاف والعواصف، والتي تؤدي إلى تدمير البنية التحتية، واستنزاف الموارد، وإضعاف قدرة الدول على الاستجابة الفعالة.
ارتفاع مستوى سطح البحر: وما ينجم عنه من غمر المناطق الساحلية وتضرر الموانئ والبنى التحتية الحيوية، إضافة إلى احتمالات النزوح السكاني واسع النطاق.
تدهور سبل العيش والهجرة: نتيجة انخفاض الإنتاج الزراعي ونقص المياه، مما يدفع السكان، خاصة في المناطق الريفية، إلى الهجرة نحو المدن أو خارج الحدود.
التنافس على الموارد الطبيعية: لا سيما المياه والأراضي الزراعية، وهو ما قد يفاقم التوترات الاجتماعية ويزيد احتمالات النزاعات.
انعدام الأمن الغذائي: بسبب اضطراب الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء، مع الاعتماد المتزايد على الاستيراد في كثير من الدول العربية.
إدارة المياه العابرة للحدود : باعتبارها قضية سياسية حساسة، قد تشكل مصدر توتر بين الدول المشتركة في الأحواض المائية.
الآثار غير المقصودة لسياسات المناخ: حيث قد تؤدي بعض سياسات التكيف أو التخفيف—إذا لم تُصمم بعناية—إلى نتائج عكسية، خاصة في البيئات الهشة، مثل الإضرار بسبل العيش أو زيادة التفاوت الاجتماعي.
خامساً: نحو فهم تكاملي للهشاشة
لا بد من النظر إلى أن التغير المناخي لا يقف عند الحدود السياسية للدول المتجاورة. إن ما يميز التحدي المناخي في المنطقة العربية ليس فقط تعدد مخاطره، بل ترابطها العميق، بحيث يؤدي تفاقم أحدها إلى تغذية الآخر. ومن ثم، فإن التعامل مع هذه الهشاشة يتطلب رؤية تكاملية تأخذ في الاعتبار الأبعاد البيئية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتُعلي من شأن الحوكمة الرشيدة، وبناء القدرات المؤسسية، وتعزيز الوعي المجتمعي.
وفي المحصلة، تمثل هشاشة المنطقة العربية أمام التغير المناخي تحدياً مركباً يستدعي استجابة شاملة تتجاوز المعالجات الجزئية، نحو سياسات متماسكة قادرة على تعزيز الصمود وتحقيق التنمية المستدامة.
أبعاد الأمن الإنساني
يمتد تأثير التغير المناخي إلى جميع أبعاد الأمن الإنساني، بتصنيفاته المختلفة؛ الأمن الاقتصادي، من خلال تراجع فرص العمل والإنتاجية، الأمن الغذائي بسبب اضطراب الإنتاج وسلاسل إمداد الغذاء، الأمن الصحي المتمثل في انتشار الأمراض المرتبطة بالمناخ وسوء التغذية، الأمن البيئي المرتبط ب تدهور الموارد الطبيعية والتلوث وشح الموارد المائية، الأمن الشخصي، بسبب تزايد النزاعات وأعمال العنف وسط الأفراد والمجتمعات، والذي يمتد إلى الأمن المجتمعي الذي يهدد التماسك الاجتماعي، وتزايد النزعات العنصرية، ولينعكس كل ذلك في الأمن السياسي، تراجع الثقة في نظم الحكم والمؤسسات. ويُظهر هذا الترابط أن التغير المناخي لا يهدد قطاعًا بعينه، بل يمس جوهر الاستقرار الإنساني.
التغير المناخي والهجرة والنزوح
أحد أبرز تجليات التغير المناخي في المنطقة العربية هو تصاعد الهجرة البيئية، سواء كانت داخلية أو عبر الحدود. فالظواهر البطيئة مثل الجفاف والتصحر والفيضانات المدمرة، تدفع السكان تدريجيًا إلى مغادرة مناطقهم، بينما تؤدي الكوارث المفاجئة إلى نزوح سريع. وتشير التقديرات إلى أن ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار نصف متر قد يؤدي إلى تشريد ملايين الأشخاص بحلول منتصف القرن، كما أن تدهور الأوضاع في مناطق مجاورة، مثل القرن الإفريقي، قد يدفع بموجات هجرة نحو الدول العربية. ورغم أن التغير المناخي ليس سببًا مباشرًا للنزاعات، إلا أنه يخلق بيئة خصبة لها، من خلال: زيادة الضغط على الموارد، البطالة وتزايد حدة الفقر، وإضعاف مؤسسات الدولة.
مثلث الخطر المتصاعد
أمن المياه : تُعد المنطقة العربية من أكثر مناطق العالم معاناة من الإجهاد المائي، حيث انخفض نصيب الفرد من المياه بشكل مستمر، وتجاوزت بعض الدول حدود مواردها المتجددة. ويُتوقع أن يؤدي التغير المناخي إلى: زيادة تقلبات الأمطار، تكرار موجات الجفاف، تدهور المياه الجوفية، تزايد الحاجة للمياه بسبب التزايد الحاد للسكان، لوتيرة التمدن، وزيادة الحاجة للماء في إنتاج الغذاء وللأغراض الصحية والصناعية.
الأمن الغذائي : يتأثر الإنتاج الزراعي بشدة بالتقلبات المناخية، مما يؤدي إلى: انخفاض الإنتاجية، لأسباب عديدة، تشمل نقص الماؤن زيادة الحرارة، تدهور و انجراف التربة. وعليه ستكون النتيجة زيادة الاعتماد على الاستيراد، وما يترتب عليها من ارتفاع أسعار الغذاء، وأكثر من ذلك الاعتمادية على الغير بما يفقد السيادة، خاصة وقت الأزمات.
الأمن الصحي : تشمل التأثيرات الصحية، زيادة الأمراض المرتبطة بالحرارة والغبار والتلوث، انتشار الأمراض المعدية وتكرار حدوث الأوبئة الماحقة، وارتفاع معدلات الوفيات في الفئات الهشة من الأطفال والنساء وكبار العمر، وزيادة الحاجة لخدمات العلاج والدواء.
حوكمة المناخ في المنطقة العربية
تُعرف الحوكمة المناخية بأنها منظومة القواعد والسياسات والمؤسسات والآليات التي تنظّم استجابة الدول والمجتمعات لظاهرة التغير المناخي، عبر مساري التخفيف من الأسباب الجذرية المسببة للتغير المناخي، مقابل التكيّف مع آثارها، بما يعزّز القدرة على الصمود.
ولا تقتصر حوكمة المناخ فقط على الحكومات، بل تشمل شبكة واسعة من الفاعلين تضم المنظمات الدولية والإقليمية، والقطاع الخاص، والمجتمع المدني، الأمر الذي يفرض نمطًا معقدًا من التفاعلات يتطلب تنسيقًا عاليًا وتكاملًا مؤسسيًا.
في السياق العربي، يتسم مشهد الحوكمة المناخية بتعدد الجهات المعنية مقابل ضعف التنسيق. إذ تتصدر الدولة القومية (22 دولة)، بوصفها مركز القرار الأعلى وصاحبة الاختصاص في رسم السياسات الوطنية، بينما تؤدي منظمات دولية مثل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أدوارًا داعمة في بناء القدرات وتوفير التمويل والخبرة. كما تسهم منظمات إقليمية، مثل الإسكوا، في التحليل وصياغة المقترحات، إلى جانب جامعة الدول العربية كإطار سياسي جامع، ومنظمات شبه إقليمية كـمجلس التعاون لدول الخليج العربي في تنسيق بعض السياسات.
على الرغم من تنوع آليات ونُظم الحوكمة المناخية في المنطقة العربية، فإن الأداء العام قد وصف في العديد من الدراسات بأنه دون المستوى المأمول، ويرتبط ذلك في الأساس بضعف الإرث المؤسسي في العمل البيئي وغياب قيادة إقليمية فاعلة تتبنى رؤية شاملة ومسؤولية جماعية. وقد انعكس هذا القصور في صورة اختلالات هيكلية، من أبرزها نقص التمويل المخصص للعمل المناخي، رغم ما تزخر به المنطقة من موارد، وتبعثر الجهود بين جهات وقطاعات متعددة.
كما أسهم ضعف التنسيق المؤسسي في تعميق هذه التحديات، حيث يغيب التكامل بين السياسات، وتندر البرامج الإقليمية الفعّالة القابلة للتنفيذ، مع محدودية الآليات التي تضمن تحويل الخطط إلى نتائج ملموسة. ويُضاف إلى ذلك قلة المبادرات الكبرى القادرة على إحداث تحول نوعي، إلى جانب التفاوت الواضح في القدرات الفنية والمالية بين الدول. ولا يقل أهمية عن ذلك محدودية إسهام القطاع الخاص والمجتمع المدني، مما يضعف شمولية الحوكمة ويحد من فعاليتها.
وتُجمل هذه الاختلالات في ضعف الاستجابة العربية لمخاطر التغير المناخي، حيث يتكرر قصور البنية المؤسسية، ويغلب التركيز على سياسات التكيّف مقابل ضعف سياسات التخفيف، في ظل غياب قيادة إقليمية موحّدة وتواصل نقص التمويل وتشتت الجهود قطاعيًا. ورغم أن المنطقة العربية تسهم بنسبة محدودة في الانبعاثات العالمية، فإنها تُعد من أكثر المناطق هشاشة أمام آثار التغير المناخي.
وعليه، فإن تعزيز الحوكمة المناخية يتطلب الانتقال من مجرد تعدد الفاعلين إلى بناء منظومة متكاملة تقوم على التنسيق الفعّال، وتكامل السياسات، وتوضيح الأدوار، وتوسيع الشراكات مع القطاع الخاص والمجتمع المدني، بما يمكّن من تحويل التحديات المناخية إلى فرص حقيقية للتنمية المستدامة.
إطار استراتيجي للاستجابة المناخية
لمواجهة التحديات المتصاعدة للتغير المناخي في المنطقة العربية، تطرح الدراسة إطارًا ومحتوىً استراتيجيًا متعدد المستويات يهدف إلى الانتقال من مرحلة التشخيص إلى الفعل المؤثر.
فعلى المستوى الإقليمي، تبرز الحاجة إلى بناء مظلة تنسيقية أكثر فاعلية من خلال إقرار بروتوكول عربي ملزم يُعنى بالتغير المناخي، مع تعزيز دور جامعة الدول العربية كجهة مؤسسية قادرة على قيادة العمل المشترك، ينشأ تحت مظلتها مجلس وزاري عربي موسع يختص بمتابعة السياسات المناخية وتنسيقها. كما يتطلب الأمر تطوير منصات معرفية ومراكز بحثية مشتركة تسهم في إنتاج المعرفة وتبادل الخبرات بين الدول.
أما على المستوى الوطني، فإن الاستجابة الفاعلة تقتضي إعداد استراتيجيات مناخية ممتدة حتى العام 2050، مع دمج قضايا المناخ وآثاره في صلب السياسات العامة، بما يضمن اتساقها مع أهداف التنمية المستدامة.
ويستدعي ذلك أيضًا تطوير الهياكل المؤسسية لتكون أكثر قدرة على التعامل مع التهديدات المناخية، إلى جانب تعزيز دور التعليم والبحث العلمي في دعم الابتكار وبناء القدرات الوطنية.
وعلى المستوى الفني التنفيذي، تتجسد الأولويات في تنفيذ مشروعات نوعية تستهدف القطاعات الأكثر تأثرًا، وفي مقدمتها الأمن الغذائي والمائي، ومعالجة قضايا الإسكان والهجرة. والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة، ومكافحة التصحر، وإدارة الهجرة المرتبطة بالمناخ، فضلًا عن حماية التنوع البيولوجي. وتشكل هذه المجالات مدخلًا عمليًا لترجمة السياسات إلى نتائج ملموسة على الأرض.
وتؤكد الدراسة أن التغير المناخي لم يعد تحديًا مؤجلًا، بل واقعًا ضاغطًا يعيد تشكيل معادلات الأمن الإنساني في المنطقة، بما يشمل الموارد الطبيعية واستقرار الدول وتماسك المجتمعات. ورغم جسامة التحديات، لا تزال الفرص متاحة، في ظل ما تمتلكه المنطقة من موارد مالية، وإمكانات واعدة في الطاقة المتجددة، وهياكل مؤسسية قابلة للتطوير، وموقع جيوسياسي مؤثر. غير أن استثمار هذه المقومات يتطلب تحولًا نوعيًا في التفكير والعمل، يقوم على وضع خطط قابلة للتنفيذ، وتعزيز التكامل الإقليمي، وبناء مؤسسات مرنة، وتوجيه التمويل نحو أولويات المناخ، مع إشراك المجتمع والقطاع الخاص بفاعلية.
وفي المحصلة، فإن نجاح أي مسار مستقبلي مرهون بتبني مقاربة شاملة تربط بين المناخ والتنمية والأمن، وتضع الإنسان في قلب السياسات. فالتحدي لم يعد في إدراك المخاطر، بل في القدرة على إدارتها بكفاءة، بما يمكّن الدول العربية من تحويل التغير المناخي من مصدر تهديد إلى فرصة لبناء نموذج تنموي أكثر استدامة وعدالة، يضمن الأمن الإنساني للأجيال القادمة.
الصادق عبدالله أبوعياشة، مارس 2026


