كثير من التساؤلات تتبادر إلى الأذهان وتتعلق بالموضوع المطروح أعلاه ومدي ممارسة الحرية الصحفية في السودان وما زالت السلطات تستدعي الصحفيين وتحقق معهم دون النظر إلى ظروفهم وملابسات ما كتبوا ، ولعلها قضية تتأرجح بين الحرية الصحفية وتطبيق القانون على وجهه الصحيح.
وحيث نجد انه في عالمٍ تُقاس فيه ديمقراطية الدول بمدى اتساع هامش حرية التعبير، تظل الحرية الصحفية واحدة من أكثر القضايا إثارةً للجدل، لا من حيث النصوص القانونية التي غالبًا ما تبدو مثالية، ولكن من حيث التطبيق الذي يكشف فجوةً عميقة بين ما يُكتب في الدساتير وما يُمارس على أرض الواقع.
أولًا: الإطار القانوني… ضمانات على الورق
تكاد لا تخلو دساتير الدول الحديثة من نصوص تكفل حرية الصحافة والتعبير، وتُقرّ بحق الوصول إلى المعلومات، وتمنع الرقابة المسبقة على النشر. كما تُدعّم هذه المبادئ مواثيق دولية، مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص صراحة على حرية الرأي والتعبير.
وفي السياق السوداني، ظلّت التشريعات الصحفية تتأرجح بين محاولات الانفتاح والتقييد، حيث تنص القوانين على حماية حرية الصحافة، لكنها في الوقت ذاته تضع قيودًا فضفاضة تحت مسميات مثل “الأمن القومي” و“النظام العام”، وهي عبارات قابلة للتأويل، ما يفتح الباب واسعًا أمام التضييق.
ثانيًا: واقع التطبيق… رقابة بوجوه متعددة
على الرغم من هذه الضمانات، فإن الواقع يكشف عن تحديات كبيرة تواجه الصحفيين، تبدأ من الرقابة المباشرة وغير المباشرة، ولا تنتهي عند التهديدات الأمنية أو الضغوط السياسية والاقتصادية.
تتجلى هذه الإشكاليات في عدة صور:
الرقابة القبلية والبعدية: سواء عبر منع النشر أو مصادرة الصحف بعد الطباعة.
القيود القانونية: استخدام قوانين أخرى (جنائية أو أمنية) لمحاكمة الصحفيين بدلًا من قوانين الصحافة.
الضغوط الاقتصادية: حيث تُستخدم الإعلانات أو التمويل كوسيلة للتأثير على الخط التحريري.
البيئة غير الآمنة: تعرض الصحفيين للاعتقال أو التهديد، خاصة في أوقات النزاعات.
ثالثًا: جدلية القانون والتطبيق… أين تكمن الأزمة؟
تكمن الإشكالية الأساسية في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتفعيل النصوص القانونية، إلى جانب ضعف المؤسسات الضامنة للاستقلال، مثل القضاء وهيئات تنظيم الإعلام.
فالقانون، مهما كان متقدمًا، يظل عاجزًا إذا لم يُدعّم بثقافة سياسية تؤمن بحرية التعبير كقيمة أساسية، لا كامتياز مشروط. كما أن غياب الشفافية والمساءلة يُحوّل النصوص إلى مجرد واجهة تجميلية لا تعكس الواقع.
رابعًا: الحرية والمسؤولية… معادلة دقيقة
لا يمكن الحديث عن حرية صحفية مطلقة بمعزل عن المسؤولية المهنية والأخلاقية. فالصحافة، في جوهرها، سلطة رقابية، لكنها أيضًا مطالبة بالتحقق من المعلومات، واحترام الخصوصية، وتجنب خطاب الكراهية.
غير أن هذه المسؤولية لا ينبغي أن تُستخدم ذريعة لتقييد الحرية، بل يجب أن تُنظَّم عبر مواثيق مهنية مستقلة، لا عبر أدوات السلطة.
خامسًا: الطريق إلى التوازن
لتحقيق توازن حقيقي بين القانون والتطبيق، لا بد من:
مراجعة القوانين المقيدة للحريات وإزالة العبارات الفضفاضة.
تعزيز استقلال القضاء والمؤسسات الإعلامية.
توفير بيئة آمنة للعمل الصحفي.
دعم التنظيم الذاتي للصحفيين عبر نقابات ومجالس مستقلة.
ترسيخ ثقافة احترام حرية التعبير داخل المجتمع والدولة.
و أخيرًا: تبقى الحرية الصحفية مرآةً صادقة لحالة الدولة، لا تُقاس ببلاغة النصوص، بل بجرأة الصحفيين على الكتابة دون خوف. وبين القانون والتطبيق، تظل المعركة الحقيقية هي معركة إرادة، تُحسم حين تتحول الحرية من شعارٍ مرفوع إلى واقعٍ معاش.
فالصحافة الحرة ليست ترفًا، بل شرطٌ أساسي لبناء دولة القانون، وحصنٌ منيع في وجه الاستبداد.


