مقدمة
مع تطور الحرب في السودان، برزت تساؤلات جوهرية حول طبيعة وأهداف
قوات الدعم السريع، ودورها في الصراع، خاصة في ظل ما يوصف بتقلب تحالفاتها وتباين مواقفها السياسية والعسكرية.
فهل تمثل هذه القوات مشروعًا سياسيًا واضح المعالم؟ أم أنها تحولت إلى فاعل عسكري مأزوم يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية؟
أولًا: النشأة والتحول البنيوي
تعود جذور قوات الدعم السريع إلى تشكيلات قبلية ومليشيات محلية جرى دمجها لاحقًا في بنية الدولة خلال فترة حكم عمر حسن أحمد البشير.
وقد أُنشئت في الأساس كأداة لمواجهة التمرد في مناطق دارفور، قبل أن تتوسع أدوارها تدريجيًا لتشمل مهام أمنية وسياسية. غير أن هذا التوسع لم يكن مصحوبًا ببناء مؤسسي متماسك، ما جعلها عرضة للتحولات السريعة في مواقفها.
ثانيًا: أزمة الهدف والرؤية الاستراتيجية
أحد أبرز التحديات التي تواجه قوات الدعم السريع هو غياب هدف سياسي واضح ومحدد. فخلال مسارها، انتقلت بين أدوار متناقضة:
– المشاركة في تثبيت نظام البشير، ثم الإسهام في إسقاطه
– التعاون مع مؤسسات الدولة، ثم الدخول في مواجهة مفتوحة معها
– التحالف مع قوى سياسية مختلفة دون إطار فكري جامع
هذا التذبذب يعكس أزمة في تعريف الذات السياسية، ويطرح تساؤلات حول طبيعة المشروع الذي تمثله.
ثالثًا: التحالفات المتقلبة وفقدان الثبات السياسي
شهدت مسيرة هذه القوات تحولات متسارعة في تحالفاتها:
– تحالفت في مراحل مع بعض الحركات المسلحة في دارفور
– دخلت في تقاطعات مع قوى سياسية مدنية ضمن تحالفات انتقالية
– وجدت نفسها لاحقًا في مواجهة مع قوى كانت شريكة لها
كما برزت تناقضات في علاقتها مع حركات مثل:
الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال ومكونات دارفورية أخرى.
هذا التبدل المستمر في التحالفات يعكس غياب استراتيجية طويلة المدى، ويؤدي إلى تآكل الثقة بينها وبين مختلف الأطراف.
رابعًا: العلاقة مع المجتمع المحلي والتحديات القبلية
تشير تقارير إلى تراجع الحاضنة الاجتماعية لبعض تحركات قوات الدعم السريع،
خاصة مع بروز مواقف رافضة من مكونات قبلية، مثل بعض قبائل المسيرية.
ويعكس ذلك تحولًا مهمًا، حيث لم تعد هذه القوات قادرة على الاعتماد الكامل على الامتدادات القبلية كما في السابق.
كما أن دخول عناصر غير سودانية في بعض العمليات زاد من تعقيد العلاقة مع المجتمعات المحلية.
خامسًا: البعد العسكري والتراجع الميداني
تشير التطورات الميدانية في مناطق مثل الدلنج إلى تعرض قوات الدعم السريع
لخسائر عسكرية، مع تقدم نسبي للقوات المسلحة السودانية.
كما أن فقدان السيطرة على بعض المناطق الاستراتيجية يعكس تحديات في القيادة والسيطرة، إضافة إلى صعوبات لوجستية متزايدة.
سادسًا: البعد الإقليمي والدولي للصراع
تأتي الحرب السودانية في سياق إقليمي أوسع، حيث تتقاطع مع صراعات النفوذ بين قوى مختلفة، بما في ذلك التوترات بين إيران وإسرائيل في أفريقيا.
وفي هذا الإطار، تصبح الأطراف المحلية، بما فيها قوات الدعم السريع، جزءًا من شبكة أوسع من التفاعلات التي تتجاوز حدود السودان.
سابعًا: من فاعل عسكري إلى أزمة وجود
في ضوء المعطيات السابقة، يمكن القول إن قوات الدعم السريع تواجه أزمة وجود حقيقية، تتجلى في:
-غياب المشروع السياسي الواضح
– تآكل التحالفات
– تراجع الحاضنة الاجتماعية
– الضغوط العسكرية المتزايدة
وهي عوامل تجعل مستقبل هذه القوات مفتوحًا على عدة احتمالات، تتراوح بين إعادة التشكل أو التراجع التدريجي.
خاتمة
تكشف تجربة قوات الدعم السريع عن نموذج لفاعل عسكري نشأ في سياق أمني محدد، ثم توسع دون أن يمتلك رؤية سياسية متماسكة.
وفي ظل التحولات الراهنة، يبدو أن هذه القوات تواجه اختبارًا حاسمًا سيحدد دورها في مستقبل السودان، سواء كجزء من معادلة سياسية جديدة، أو كمرحلة عابرة في مسار الصراع.
سلسلة مقالات الحرب على السودان ..(16) قوات الدعم السريع: من أداة أمنية إلى فاعل مأزوم .. أزمة الهدف والتحالفات المتقلبة في سياق الحرب السودانية..د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي
المقالة السابقة


