Popular Now

ما قل ودل.. إنفاذ سياسات مالية عاجلةو إلا فانتظرا يا دكتور كامل إدريس ودكتور جبريل إبراهيم المجاعة والكوارث.. دكتور/ بابكر عبدالله محمد علي

كباشي في قلب التخطيط من إدارة المعركة إلى صناعة مسارها .. بقلم مستشار: هشام محمود سليمان

مهمة مقدسة..الآن أو أبدًا.. المسلمي الكباشي

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (4) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

تميل المدرسة الكلاسيكية في التحليل الاستراتيجي إلى افتراض العقلانية والاستمرارية فالدول وفق هذا المنظور تتحرك ضمن مسارات يمكن قياسها، وتُقرأ تحولاتُها الكبرى بوصفها نتاج تراكمات تدريجية قابلة للرصد والتنبؤ. غير أن أطروحة نسيم نيقولا ، وهو باحث في مجال المخاطر والاحتمالات وفلسفة عدم اليقين ، في كتابه The Black Swan (البجعة السوداء ) أحدثت قطيعة معرفية مع هذا الاطمئنان المنهجي، مؤكدة أن التاريخ لا يسير دائماً بخط مستقيم، بل تقفز به أحداث نادرة، عصية على التوقع، لكنها ذات أثر كاسح يعيد تشكيل البنية بأكملها.
تنطلق نظرية “البجعة السوداء” من ثلاثية مفاهيمية: الندرة، والأثر العميق، وإعادة السرد بأثر رجعي. فهناك وقائع تقع خارج نطاق الحسابات التقليدية لمراكز التقدير، لكنها حين تقع، تعيد توزيع القوة والموارد والشرعية بصورة جذرية. وبعد وقوعها، يُعاد تأطيرها بوصفها نتيجة حتمية، بينما هي في حقيقتها كشفت هشاشة أدوات التنبؤ وحدود المعرفة البشرية. وفي المجال الجيوبوليتيكي، حيث تتفاعل الجغرافيا مع الهوية، والاقتصاد مع الأمن، والداخل مع الإقليم، تصبح قابلية الأنظمة المعقدة للصدمة أعلى، ويغدو الاستقرار الظاهري غطاءً لهشاشة كامنة.
إن إسقاط هذه المقاربة على الحالة الإثيوبية لا يعني ردّ مسارها إلى حدث طارئ، بل قراءة تاريخها الحديث كسلسلة من التوازنات الدقيقة القابلة للاهتزاز. فالدولة متعددة الإثنيات، ذات الإرث الإمبراطوري، والمقيدة بجغرافيا حبيسة منذ استقلال إريتريا، تتحرك في بيئة إقليمية مضطربة في القرن الأفريقي؛ وكل ذلك يجعلها أكثر عرضة لتأثير “صدمة غير متوقعة” قد تعيد ترتيب مراكز القوة داخلها أو حولها.
ليست الجغرافيا تضاريس صامتة، بل قدرٌ سياسي متحرك. وإثيوبيا، بحكم تموضعها في قلب القرن الأفريقي، تمثل نموذجاً لدولة تحكمها ثنائية مركبة أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا. وقد شكّلت حقبة ملس زناوي ، ثم مرحلة هايلي مريام ديسالين ، فصلاً مفصلياً في إعادة تعريف موقع إثيوبيا إقليمياً ودولياً، بين مشروع تأسيسي صلب، وإدارة انتقالية لإرث ثقيل.
وصل ملس زناوي إلى السلطة بعد سقوط نظام منغستو في لحظة كانت فيها الدولة على حافة التفكك. لم يكن التحدي إعادة بناء مؤسسات فحسب، بل إعادة تعريف طبيعة الدولة ذاتها. فاختار صيغة الفيدرالية الإثنية كآلية لإدارة التعدد القومي، مؤسساً نظاماً يعترف بالهويات الفرعية، لكنه يُبقي مركز القرار في قبضة ائتلاف حاكم منضبط. كان ذلك حلاً سياسياً لتاريخ طويل من المركزية الإمبراطورية، ومحاولة لتحويل التنوع من مصدر صراع إلى إطار تنظيمي.
غير أن زناوي أدرك أيضاً أن إثيوبيا، بعد فقدانها المنفذ البحري، لم تخسر مجرد ساحل، بل خسرت رافعة جيواستراتيجية. لذا اتجه إلى تعويض القيد الجغرافي عبر تعظيم الحضور الإقليمي، لا سيما في الصومال وجيبوتي، وتحويل بلاده إلى شريك أمني رئيسي للغرب في مكافحة الإرهاب في القرن الأفريقي. بهذا المعنى، لم تكن سياسته دفاعية، بل هجومية محسوبة تحويل العزلة الجغرافية إلى مركز ثقل أمني.
اقتصادياً، تبنى نموذج “الدولة التنموية” بتدخل قوي في القطاعات الاستراتيجية، فحققت البلاد معدلات نمو مرتفعة، وتوسعت البنية التحتية بصورة لافتة. ،لقد تحولت الجغرافيا من قيد إلى أداة نفوذ، وأعيد توظيف التاريخ الإمبراطوري كمصدر شرعية وطنية جامعة.
قامت معادلة زناوي على توازن دقيق قبضة مركزية قوية تضبط التناقضات الإثنية، مقابل انفتاح اقتصادي مدروس وتمدد إقليمي يعزز الشرعية الوطنية. غير أن هذه المعادلة كانت شديدة الحساسية؛ إذ إن أي خلل في مركز الضبط قد يطلق التوترات الكامنة في الأطراف. فالفيدرالية الإثنية، وإن وفرت إطاراً قانونياً للاعتراف بالتعدد، ظلت في جوهرها محكومة بنواة سياسية ضيقة تحتكر أدوات القوة الصلبة.
وهنا تتجلى مفارقة الدولة الإثيوبية الحديثة: نظام فيدرالي في الشكل، مركزي في الممارسة. وقد نجحت هذه الصيغة طالما وُجدت قيادة قادرة على إدارة التوازنات الدقيقة بين المركز والأقاليم، وبين التنمية والانضباط الأمني. لكنها، من منظور “البجعة السوداء”، ظلت بنية قابلة للاهتزاز إذا ما غاب مهندسها أو تعرضت لصدمة غير محسوبة.
عندما تولى هايلي مريام ديسالين السلطة بعد وفاة زناوي، ورث دولة تبدو مستقرة ظاهرياً لكنها محمّلة بتناقضات عميقة. لم يكن ديسالين صاحب مشروع مؤسس، بل مدير مرحلة انتقالية، يفتقر إلى الكاريزما والقبضة الحديدية لسلفه. ومع غياب الشخصية الضابطة، بدأت الاحتجاجات تتصاعد في إقليمي أوروميا وأمهرا، كاشفة حدود الفيدرالية الإثنية عندما تفقد مركزها القوي.
استمر النمو الاقتصادي نسبياً، لكن التوترات السياسية أضعفت قدرة الدولة على احتواء المجال العام. وهنا عادت لعنة الجغرافيا وأحكام التاريخ إلى الواجهة دولة متعددة الأعراق، محاطة ببيئة إقليمية مضطربة، وحبيسة جغرافياً، لا تحتمل فراغاً سياسياً في مركزها. لقد بدا أن النظام الذي صُمم لإدارة التنوع يحتاج إلى طاقة سياسية عالية لإعادة إنتاج توازنه، لا مجرد صيانته الإدارية.
إثيوبيا دولة محورية بحكم موقعها، لكنها في الوقت ذاته مقيدة بهذا الموقع. فهي مسكونه بتوتر داخلي دايم و تطل على بؤر توتر في الإقليم تساعد هي في تأجيجه من الصومال إلى السودان وجنوب السودان وإريتريا. وأي اضطراب داخلي يرتد سريعاً إلى محيطها، كما أن أي تحوّل إقليمي ينعكس مباشرة على توازناتها الداخلية. في عهد زناوي، جرى توظيف الجغرافيا عبر سياسة استباقية نشطة؛ أما في عهد ديسالين، فقد بدت الجغرافيا أكثر ميلاً لفرض إيقاعها على الدولة.
إن الفارق بين مرحلتي “صناعة المشروع” و“إدارة الإرث” يفسر التحول من الانضباط الصارم إلى السيولة السياسية. فالمشروع التأسيسي يملك زخماً يتيح له امتصاص الصدمات، أما الإدارة الانتقالية فتكون أكثر عرضة لتأثير حدث مفاجئ قد يعيد تشكيل المشهد بأكمله، وفق منطق “البجعة السوداء”.
يحمل التاريخ الإثيوبي وعياً بالتفرد، بوصفه دولة لم تخضع للاستعمار المباشر إلا لفترة وجيزة. وقد انعكس هذا الوعي في سياسات إقليمية طموحة ورغبة في لعب دور قيادي في القرن الأفريقي. غير أن الإرث الإمبراطوري ذاته يطرح معضلة مستمرة ، كيف يمكن بناء هوية وطنية جامعة في ظل تعدد قومي واسع وتاريخ من المركزية الصارمة؟
في عهد زناوي، قُدمت الفيدرالية الإثنية كإجابة مؤسسية على هذا السؤال؛ وفي عهد ديسالين، بدا أن الإجابة لم تكتمل، وأن التوازن بين الاعتراف بالتعدد والحفاظ على وحدة الدولة لا يزال هشاً.
في الختام تكشف حقبة ملس زناوي وهايلي مريام ديسالين أن إثيوبيا كيان يتشكل عند تقاطع التاريخ والجغرافيا، ويتأثر بقابلية بنيوية للصدمة. فعندما تتوافر قيادة قادرة على تحويل القيود إلى أدوات، تتحول الدولة إلى قوة إقليمية صاعدة؛ وعندما يضعف مركز الضبط، تعود التناقضات الكامنة إلى السطح، وتصبح عرضة لحدث غير متوقع يعيد رسم مسارها.
إن ميراث تلك المرحلة لا يتمثل فقط في مشاريع البنية التحتية أو معدلات النمو، بل في إعادة تعريف موقع إثيوبيا في معادلة القرن الأفريقي. والسؤال الاستراتيجي الذي يظل مفتوحاً هل تستطيع دولة متعددة الأعراق، حبيسة جغرافياً، ومحمّلة بإرث إمبراطوري، أن تحافظ على توازنها دون قيادة قادرة على إدارة تناقضاتها الدقيقة واستباق صدماتها المحتملة؟
هنا تتجلى أحكام التاريخ، وتظهر لعنة الجغرافيا، وتبقى إثيوبيا نموذجاً حياً لدولة تحاول، باستمرار، أن تعيد صياغة قدرها بين الداخل المتحرك والمحيط المتقلب.
والسؤال الأكثر أهمية هل تشكل حقبة آبي أحمد الحالية حالة تجعل من نخب ومفكري إثيوبيا إعادة النظر في علاقات التوتر الداخلي والتخلص من حمولة تنفيذ مشاريع أجنبية ضد شعوب وحكومات دول الجوار بغض النظر عن مصالح الشعوب الإثيوبية ؟!
الاثنين الموافق 6/4/2026

المقالة السابقة

سلسلة صفقات ترامب (27) .. من الفوضى إلى التفاوض: هل فشل ترامب أم تراجعت الولايات المتحدة؟ قراءة في مسار “سلام إيران” وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. باحث مختص في الشأن الأفريقي

المقالة التالية

أصل القضية | السودان … السيناريو المصري؟ أم معادلته الخاصة؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *