لا يمكن قراءة تعيين الفريق أول ركن شمس الدين كباشي في موقع البناء والتخطيط الاستراتيجي باعتباره خبر عادي، بل هو تحول واضح في طريقة تفكير الجيش نفسه، فالمعركة لم تعد تدار فقط في الميدان بل أصبحت تصاغ أولا في غرف التخطيط حيث تحدد الأهداف وترسم طرق الوصول إليها قبل أن تبدأ المواجهة هذا الموقع يمثل عقل المؤسسة العسكرية من خلاله تكتب العقيدة القتالية وتحدد أولويات التسليح وتبنى هيكلة الجيش على المدى البعيد وبوصول كباشي إليه يصبح التركيز على توحيد الرؤية بدل تعدد الاجتهادات وعلى التخطيط المسبق بدل رد الفعل.
على المستوي الداخلي يحمل القرار ثلاث رسائل أساسية:
الأولى:- هناك اتجاه واضح نحو مركزية القرار بحيث تصدر التوجيهات من جهة واحدة وتنفذ وفق خطة موحدة مما يقلل التباين في الأداء بين الجبهات
الثانية:- إعادة ترتيب داخل المؤسسة نفسها حيث تزداد أهمية التفكير والتخطيط إلى جانب الكفاءة القتالية وهو ما يعيد تعريف معايير النفوذ والترقي
الثالثة:- بدء الاستعداد لمرحلة ما بعد الحرب من خلال صياغة عقيدة جديدة وتحديد شكل الجيش مستقبلا وهو ما يعني أن عملية البناء بدأت قبل انتهاء المعركة
أما علي المستوي الخارجي فالرسائل لا تقل أهمية
الأولى:- للجهات الداعمة للمليشيا المعنى واضح لم تعد هناك مساحات مفتوحة للحركة فكل تحرك أو إمداد أصبح تحت الرصد وقابل للتأثير
الثانية:- للمجتمع الدولي يسعى الجيش إلى تقديم نفسه كقوة منظمة قادرة على إدارة الدولة لاحقا لا مجرد طرف في نزاع.
الثالثة:- للقوى السياسية مواجهة واقعا جديدا مفاده أن المؤسسة العسكرية لا تكتفي بإدارة الحرب بل تتحرك أيضا لتحديد ملامح المرحلة القادمة في المحصلة ما يحدث هو انتقال من إدارة المعركة إلى التحكم في مسارها أي أن الجيش يسعى ليكون الطرف الذي يحدد كيف تبدأ المواجهات وكيف تتصاعد وكيف تنتهي مع ذلك يظل نجاح هذا التحول مرتبطا بمدى تطبيقه على الأرض فالتخطيط وحده لا يكفي إن لم ينعكس في انضباط ميداني والمركزية قد تتحول إلى عبء إذا لم تواكبها مرونة في التنفيذ.
وأخيرا فإن هذا التعيين يعبر عن محاولة للسيطرة على مركز القرار الاستراتيجي لأن من يملك هذا المركز لا يوجه المعركة فقط بل يرسم بشكل مباشر أو غير مباشر مستقبل الدولة بعد انتهائها.

