الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة تمثل هذه الورقة دعوةً عملية للشروع في إحداث تحول نوعي في البنية التشريعية المنظمة للقطاع الزراعي في السودان، عبر إعداد قانون زراعي موحّد يشكّل إطارًا مرجعيًا جامعًا لإدارة هذا القطاع الحيوي. ويهدف هذا القانون إلى تأسيس منظومة حديثة ومستدامة لإدارة الموارد الطبيعية الزراعية، وتعزيز دور الزراعة في الاقتصاد الوطني.
تكتسب الزراعة في السودان طابعًا سياديًا، لارتباطها المباشر بإدارة الموارد الطبيعية الأساسية من أراضٍ ومياه وغابات ومراعٍ وتنوع حيوي، وهي جميعها تمثل ركائز قيام الدولة. ومن ثمّ، فإن استدامة هذه الموارد وتنظيم استثمارها يتطلبان إطارًا تشريعيًا متماسكًا يوازن بين متطلبات التنمية الاقتصادية وحماية حقوق الأجيال القادمة.
إن إعداد قانون زراعي موحّد يستلزم جهدًا وطنيًا منظمًا قد يمتد لعام أو عامين، عبر فريق متخصص، مع توفير الموارد المالية والفنية، واعتماد منهج علمي تشاركي يضمن إشراك الجهات المعنية كافة.
انبثقت فكرة هذا المشروع من تجربة عملية طويلة لمقدم المبادرة، في العمل الزراعي، امتدت لأكثر من أربعة عقود، شملت مختلف مستويات النشاط الزراعي، من العمل الحقلي إلى المساهمة في إعداد السياسات والتشريعات. وقد أظهرت هذه التجربة، مدعومة بمراجعات تحليلية، أن القطاع الزراعي في السودان لا تحكمه منظومة قانونية موحدة، بل شبكة من القوانين المتفرقة، تقارب العشرين قانوناً، يعالج كل منها جانب جزئي دون إطار جامع. وسيتبع هذا المقترح مبادرة أخرى تستدعي النظر في قانون الحياة البرية، كمثال.
تشمل قائمة القوانين المشار إليها مجالات متعددة مثل الأراضي، الحيازة، نزع الملكية، الغابات، المراعي، البيئة، التقاوي، الأسمدة، الحجر الزراعي والسلامة الحيوية، مكافحة التصحر، والاستثمار، إلى جانب قوانين أخرى ذات صلة كالمياه والتخطيط العمراني والعمل والتعدين. ورغم أهمية هذه التشريعات، فإنها صدرت في سياقات مختلفة، وتدار عبر جهات متعددة، مما أدى إلى ضعف التنسيق وتداخل الاختصاصات.
كما أن كثيرًا من هذه القوانين المشار إليها، يفتقر إلى آليات تنفيذ فعالة، أو صلاحيات واضحة لمباشرة الإجراءات، الأمر الذي يحدّ من أثرها العملي. ومن الملاحظة أن بعض المشروعات والمؤسسات الزراعية أُنشئ بقانون، وأخرى أنشئت بدون سند قانوني راسخ، فقط إنشئت بموجب إتفاقية أو دراسة جدوى فصارت مؤسسة، مما جعل استمراريتها مرهونة بالتمويل المؤقت، فانتهى بعضها دون أثر مؤسسي دائم.
تكشف هذه الأوضاع عن غياب رؤية تشريعية شاملة تنظم العلاقة بين الدولة ومواردها الطبيعية، وبين المنتجين والمستثمرين، وكذلك بين مستويات الحكم المختلفة. وقد انعكس ذلك في ضعف الترابط بين حلقات سلسلة القيمة الزراعية، حيث تبدو كل مرحلة من الإنتاج إلى التسويق كأنها تعمل بمعزل عن الأخرى. وعند مقارنة هذا الوضع بتجارب دول أخرى، يتضح أن العديد من الدول، مثل الصين ومصر وفرنسا، قد اعتمدت قوانين زراعية موحدة تشكل إطارًا استراتيجيًا ينظم القطاع بصورة متكاملة، ويربط بين مكوناته المختلفة ضمن رؤية طويلة المدى.
تتمثل الإشكالية الأساسية في غياب قانون مهني موحد ينسق بين التشريعات القائمة، ويعالج التداخل والتعارض بينها. وقد أدى ذلك إلى تشتت الصلاحيات، وضعف التنسيق المؤسسي، وظهور فجوات تنظيمية في مجالات الاستثمار والتسويق وإدارة الموارد.
ويرجع هذا الواقع إلى تراكم تاريخي لتشريعات صدرت في ظل نظم سياسية واقتصادية مختلفة، بدءًا من فترة الحكم الثنائي، مرورًا بمرحلة ما بعد الاستقلال، ثم فترات الدولة المركزية، وصولًا إلى سياسات التحرير الاقتصادي واللامركزية. وقد أدى هذا التراكم إلى بنية تشريعية غير متجانسة لم تخضع لمراجعة شاملة حتى الآن.
ورغم التطور الذي شهده القطاع الزراعي عبر العقود، ظل البناء التشريعي يتطور بصورة جزئية، دون أن يتبلور في قانون مرجعي شامل ينظم القطاع كسلسلة متكاملة تبدأ بإدارة الموارد الطبيعية، وتمر بالإنتاج والتصنيع الزراعي، وتنتهي بالتسويق والاستهلاك.
وقد أسهم هذا النهج المجزأ في إضعاف التكامل بين الإنتاج والأسواق، وزيادة تعقيد الإدارة المؤسسية، كما أضعف الرقابة على استدامة الموارد الطبيعية. ولا تزال إدارة الأراضي والمياه والغابات تخضع لجهات متعددة تعمل غالبًا بصورة متوازية، مما يزيد من احتمالات النزاع ويضعف التخطيط طويل الأمد.
وفي ظل التحديات الراهنة، وعلى رأسها التغير المناخي وتزايد الضغوط على الموارد، تبرز الحاجة إلى إدماج مبدأ الاستدامة في صلب التشريع الزراعي. كما أن ارتباط الزراعة بالأمن الغذائي يفرض ضرورة ربطها بسياسات التخطيط الغذائي وإدارة المخزون الاستراتيجي. وأكثر من ذلك ربط الزراعة عبر سلسلة القيمة المضافة بالتصنيع وبالأسواق. قبلها بوضوح العلاقة بمستويات الحكم وبنظم الإنتاج المختلفة.
ولا يقل أهمية عن ذلك، إدارج في صلب التشريع الزراعي بناء كادر وطني مؤهل قادر على إدارة القطاع الزراعي بكفاءة، وفهم أبعاده القانونية والمؤسسية، والتعامل مع قضايا الاستثمار والتجارة في سياق إقليمي ودولي متشابك، خاصة في ظل التزامات السودان بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
بناءً على ما تقدم، فإن تطوير الإطار التشريعي للقطاع الزراعي لم يعد خيارًا، بل ضرورة وطنية استراتيجية. والمقصود ليس إضافة قانون جديد فحسب، بل إعادة بناء المنظومة التشريعية عبر قانون موحّد يشكّل مظلة عليا تنسق بين القوانين القائمة، وتحدد الصلاحيات بوضوح، وتدعم التكامل بين مؤسسات القطاع.
إن تبني هذا المشروع من خلال مشاورات واسعة تضم الجهات الفنية والقانونية والمؤسسات التشريعية، يمكن أن يمثل نقطة تحول نحو بناء دولة مؤسسات حديثة، قادرة على إدارة مواردها بكفاءة. كما يسهم في تحويل الزراعة إلى قطاع متكامل يقود التنمية، ويعزز الأمن الغذائي، ويصون الموارد الطبيعية.
ولإنجاح هذه الخطوة، يُستحسن أن تسبقها دراسات ومراجعات أكاديمية وقانونية متخصصة، تسهم في بناء رؤية وطنية متكاملة، وتكشف عن التحديات المرتبطة بإدارة الموارد والإنتاجية والبيئة، بما يدعم صياغة قانون راسخ ومستدام.
الصادق عبدالله أبوعيّاشة
فبراير 2026


