مقدمة :
الإبادة لا تبدأ بالقتل، بل بفكرة تجعل القتل ممكنا». بهذه العبارة، وصف عالم الاجتماع البولندى، زيجمونت باومان، جوهر الإبادة الجماعية، مؤطرا إياها كفعل يصنع فى العقول أولا قبل أن ينفذ على أرض الواقع. فالقتل، بوصفه كلمة وسلوكا، ترفضه الفطرة الإنسانية وتزدريه الضمير الأخلاقى. قد نفهم أحيانا الدوافع الفردية لهذا القتل أو سياقاته فى الحروب والصراعات، لكن الصدمة الحقيقية تبدأ حين يتحول إلى سياسة ممنهجة ذات نية مسبقة، ويغدو فعلا جماعيا يمارس طواعية أو يتغاضى عنه عمدا. فى هذا السياق، يطرح هذا التحليل ظاهرة الإبادة الجماعية من منظور نفسى، حيث يربط بين دوافعه الذاتية وسياقاتها البنيوية عبر دراسة فاعلها، ومراحل صناعتها النفسية، وأطرها المحفزة، وصولا إلى سياقاتها الدولية.
الأبعاد النفسية للفواعل الإبادية.. حدود التأثير والفاعلية :
توصف الإبادة الجماعية، من منظور علم النفس السياسى، بأنها عملية عنف جماعى منظم تستهدف تدمير جماعة قومية أو إثنية أو دينية كليا أو جزئيا، سواء عبر القتل المباشر أو خلق ظروف مميتة، وتحدث نتيجة تفاعل معقد بين دوافع نفسية، وآليات اجتماعية، وبنى سياسية تنتج قابلية جماعية لممارسة العنف، أو القبول به، أو الصمت حياله. وجرت أدبيات علم النفس السياسى على تصنيف الفواعل الإبادية إلى ثلاث فئات، الجناة والضحايا والمشاهدون (المتفرجون) ، وتضيف بعض الأدبيات الأخرى فئة رابعة هى: «المنقذون».
وفيما يلي عرض لتلك الفئات :
١- الجناة Perpetrators : ينقسمون بحسب أدوار ودوافع وسياقات تأثيرهم إلى ما يلى :
أ- الجاني المنتج للفعل الايادى،
ب- الجاني المنفذ للفعل الابادي
٢- الضحايا Victims
٣- المتفرجون Bystanders
٤- المنقذون ( المساعدون الابطال ) Heroic Helpers
محفزات الفعل الابادي .. أطر سياسية واقتصادية واجتماعية
يحفز الفعل الابادي مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والثقافية، يأتي في مقدمتها :
١- الأزمات المجتمعية والصعوبات الحياتية
٢- السياقات السياسية والدولية الخاطئة
٣- الايدلوجيات الهدامة والثقافات الاستقطابية
٤- الذاكرة الجمعية وظلال الماضي
الصناعة النفسية للابادة الجماعية ومراحل بنائها
تمر الإبادة الجماعية من الناحية النفسية بثلاث مراحل، الأولى: خلق مسافة نفسية بين الذات والآخر، من خلال رسم صورة إيجابية للذات وسلبية للآخر تبرر قتلهم اجتماعيا، تماشيا مع مفهوم «الموت الاجتماعي» عند كلوديا كارد.
الثانية: التبرير الأخلاقي الزائف، بخلق أطر أيديولوجية ونفسية تشرعن القتل وتحديد الإحساس بالذنب عبر آليات نفسية كالازدواجية التي يفصل فيها الفرد بين ذاته الأخلاقية وذاته الوظيفية المنخرطة في العنف، ما يمكنه من ممارسة القتل دون أن يرى نفسه قاتلا.
المرحلة الثالثة والأخيرة: التطبيع الإبادي، حيث الاعتياد والتقبل التدريجى لفكرة الإبادة وإضفاء غاية أخلاقية سامية عليها، وصولا للمشاركة فيها. وقد طرح غريغورى ستانتون نموذج «المراحل العشر للابادة الجماعية» بوصفه إطارا تحليليا يرى من خلاله الإبادة كعملية اجتماعية وسياسية ونفسية متدرجة، لا تنفجر فجأة، بل تتشكل عبر مسار يمكن تتبعه من خلال مراحل مترابطة، لكل منها منطقها الخاص ووظيفتها فى تمهيد الطريق للعنف الجماعي تبدأ هذه العملية بمرحلة التصنيف (Classification)
يتعزز هذا الانقسام في مرحلة التجسيد الرمزي في مرحلة التمييز، مرحلة نزع الإنسانية، مرحلة التنظيم، مرحلة الاستقطاب، مرحلة التحضير، مرحلة الاضطهاد، مرحلة الإنكار
الإبادة الجماعية والسياق الدولي والإشكاليات
تتعدد سياقات التأثير الدولى فى الإبادة الجماعية بتعدد الفواعل الخارجية وأدوارها المتباينة، إذ تشمل دولا ذات سيادة، ومنظمات دولية متعددة الأطراف، ومجتمعا مدنيا عالميا يضم منظمات حقوقية وشبكات إنسانية. وتتحدد أدوار الدول وفق موقعها فى النظام الدولى، ومستوى نفوذها، وشبكات تحالفاتها، ومصالحه القومية، ما يجعل تدخلها أو صمتها جزءا من معادلة سياسية معقدة. فى المقابل، يتحرك المجتمع المدنى العالمى، فى الغالب، بدوافع إنسانية عبر الدعم المباشر أو ممارسة الضغط الدولى. بيد أن تأثير هذه الفواعل لا ينفصل عن السياقات المعيارية والقانونية السائدة، مثل: مبادئ حقوق الإنسان ومستوى الوعى العالمى، وهو ما يجعل الأدوار الدولية ديناميكية ومتغيرة، وكاشفة لإشكاليات بنيوية متعددة. فى هذا السياق، يمكن رصد ستة أدوار كبرى الفواعل الدولية، تتمثل فيما يلى:
١- الداعم المستتر (التمكين بالمشاركة الضمنية):
٢- المتفرج السلبي / المتواطئ النشط
٣- الفاعل الإيجابي (المنع والحماية الفورية)
٤- الرادع المساءل (الردع والمساءلة)
٥- المنقذ الإنساني (الإغاثة والحماية الانسانية)
٦- المصلح صانع السلام (المصالحة وإعادة البناء)
من ناحية أخرى، تكشف استجابة الفواعل الدولية للإبادة الجماعية عن مجموعة من الإشكاليات الوظيفية المتداخلة، تأتى فى مقدمتها الانتقائية، حيث تتدخل الدول بشكل انتقائى، ليس بناء على حجم الجريمة أو جسامتها الإنسانية، وإنما تبعا لاعتبارات المصلحة السياسية وشبكات التحالف وتوازنات لقوة . ويرتبط بذلك إشكالية التسييس، إذ يعاد تأطير الإبادة في الخطاب الدولي بحسبانه صراعا داخليا أو أزمة أمنية معقدة، بما يخفف من وطأتها الأخلاقية ويفرغ توصيفها القانوني من مضمونه. كما تبرز إشكالية التباطؤ الزمنى بين توافر مؤشرات الإنذار المبكر واتخاذ الفعل الدولى، وهو تأخر يسمح بتفاقم العنف وتطبيع ممارساته. ويضاف إلى ذلك إشكالية ازدواجية المعايير في تطبيق مبادئ حقوق الإنسان، حيث يعامل الفاعلون بصورة متفاوتة تبعا لموقعهم فى النظام الدولى، وليس لطبيعة الجريمة المرتكبة. وأخيرا، تسهم إشكالية ضعف أو غياب المساءلة الدولية فى وجود بيئة نفسية وسياسية مشجعة على الإفلات من العقاب، بما يقوض منطق الردع ويزيد احتمالات تكرار الإبادة في سياقات لاحقة.
خلافا ستظل الإبادة الجماعية تجسيدا حيا لشر لم يولد فجأة، وإنما صنع تدريجيا، حين تحولت الأفكار إلى مبررات، والمبررات إلى أفعال، وأصبح العنف المنهجي ممكنا و مستساغا لدى المجتمعات. ولسنا مطالبين بأن ننتظر من الشعوب أن تضعى بحياتها من أجل غيرها، لكننا مسئولون عن عدم السماح للشر بأن يتغلغل ببطء، حتى لا يبقى أمامنا سوى قبوله بوصفه أمرا واقعا. فالمسؤولية الحقيقية لا تكمن فى البطولة المتأخرة، بل فى التحرك المبكر من قبل الأفراد والجماعات والدول، فى للحظات التى لا يزال فيها الخطر محدودا، وإمكانية كبح النزعة التدميرية قائمة لتعطيل منطق الإبادة قبل اكتماله، والحفاظ على ذواتنا الإنسانية قبل فقدانها.
خاتمة :
بعد التعرف على آليات الابادة الجماعية وسياقاتها الدولية لابد من إسقاط ذلك على السودان والذي يشهد حرب ضروس منذ العام ٢٠٢٣م برعاية اقليمية ودولية مورست خلالها ابشع انواع القتل والتعذيب النفسي والجسدي والابادة الجماعية لقرى كاملة وفق مخطط مدروس يهدف الى احداث تغيير ديموغرافي كامل في اقاليم دارفور الكبرى وكردفان ليدخل عرب وافارقة الشتات والمرتزقة ضمن منظومة الإحلال الديموغرافي والسودان كدولة ملم تماما بأبعاد هذا المخطط ويضع كل الحلول الممكنة لإفشال وإسقاط هذا المخطط بتعاون تام مع الدول الصديقة والشقيقة في المحيط الإقليمي والعالمي
القاهرة ٥ أبريل ٢٠٢٦م


