Popular Now

وجه الحقيقة | حكومة إدريس… بين الدولة و الفوضى .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. عودة الدولة…أم عودة الأشخاص ؟! .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

السودان بين مرايا الماضي وضباب المستقبل: أزمة الهوية وبحث عن الذات المفقودة .. بقلم/ د. أحمد الطيب السماني .. مدرب وأستاذ التنمية والإدارة

في كل الأمم هناك لحظات مجد تُروى، وأمجاد تُخلّد، لكن في السودان، تحول الماضي إلى قيد من حديد يُكبل الحاضر ويعيق المستقبل. نُكثر من القول: “كنا وكنا…”، فنقيم في ذكريات السبعينات، نُكرم الأشخاص والأماكن والأحداث بقدسية لا تُمس، دون أن نتساءل عن موقعنا الحقيقي الآن بين الأمم.

نحتفي بأننا أول من أسس منظمة الوحدة الأفريقية، وأن الجنيه كان يُعادل الدولار، وأن الخرطوم كانت تُغسل شوارعها بالصابون. ونُردد بفخر أننا خريجو الجامعات العريقة، وأن جدودنا كسوا الكعبة. ولكن، هل يُبنى وطن فقط بما “كنا” عليه؟

المشكلة ليست في التفاخر بالماضي، بل في الارتهان له. الشعوب التي تنهض لا تعيش على ذاكرة الأجداد، بل على إرادة الأحفاد. بينما مضى غيرنا نحو المستقبل، اخترنا أن نتدثر بتاريخنا ونقيم فيه.

تمجيد الماضي… غفلة أم تغافل؟
الظاهرة الأشد خطورة هي أننا لا نُقدّر المبدعين وهم أحياء، ولا نصنع لهم سياقًا للتألق، ثم نحتفي بهم بعد الرحيل. فالطيب صالح لم يُعرف إلا من خلال الآخرين، والفيتوري عاش ومات بعيدًا عن وطنه، وعبد الله الطيب ظل محصورًا في دائرة نخبوية. أما إدريس جماع، فقد عُرف بعد وفاته، حين أعادت الوسائط تداوله.

وهكذا، تتكرر القصة: نقتل الموهبة صمتًا، ثم نبكيها بعد الرحيل، وننشغل بتأبينها أكثر من دعمها.

الذات السودانية… غياب أم تغييب؟
تبدو الشخصية السودانية وكأنها تتوارى عمدًا، بين غياب داخلي بفعل فقدان الثقة، وتغييب خارجي بفعل منظومة اجتماعية تُقصي وتُهمّش.
يغيب السؤال الجوهري: “لماذا لم يتحول هذا الإبداع السوداني الكامن إلى نهضة شاملة؟”

لدينا من الشعراء والمفكرين والفنانين والمخترعين ما يكفي لصناعة دولة متقدمة، لكننا نفتقر إلى منظومة تُحوّل هذا الإبداع إلى مشروع وطني.
نُكثر من تكرار مقولات التميز المصطنع: “نحن أكرم، وأفهم، وأشجع الناس”، بينما واقعنا يقول غير ذلك.
نتفاخر بنقاء نوايانا، ونعيش على هامش الحياة العالمية.

مفارقة موجعة
البلد مليء بالأنهار… لكن الناس عطشى.
مرشحون لنكون سلة غذاء العالم… لكننا جياع.
لدينا الذهب، والبترول، والأرض، والمياه، والعقول… ولكننا نعيش أسوأ أزماتنا الاقتصادية والاجتماعية.

هذه ليست فقط أزمة إدارة، بل أزمة وعي وثقافة وسلوك.

الحسد… العدو الخفي للنهوض
من أكبر المعيقات الخفية لتطور الشخصية السودانية هو الحسد.
ليس حسدًا فرديًا فحسب، بل ثقافة تُمارس على مستوى جماعي.
كل مبادرة ناجحة تُقابَل بشك، وكل صاحب فكرة يُتهم بالبحث عن مصالحه، وكل مبدع يُحاصَر بسؤال: “من يكون؟!” بدلًا من “ماذا قدم؟”

لا نشجع إلا بعد فوات الأوان، ونُصفق بعد أن يهاجر صاحب الإنجاز أو يُدفن صامتًا.
وهكذا يقتل الحسد الفكرة قبل أن تولد، والمشروع قبل أن يبدأ، والنجاح قبل أن يُثمر.

كيف نخرج من هذا النفق؟
بناء وعي نقدي يحترم الماضي دون أن يُقدّسه.

إعادة صياغة المناهج التعليمية بما يعزز التفكير التحليلي لا الحفظ التمجيدي.

دعم المبدعين في حياتهم، لا عبر ذكراهم.

محاربة ثقافة الحسد والتقليل من الآخر من خلال الإعلام والتربية.

الإيمان بأن التفوق ليس حكرًا على أحد، بل هو نتيجة جهد وتقدير.

الانتقال من الشكوى إلى العمل، ومن الذكرى إلى الخطة.

الاعتراف الجماعي بالخلل دون مكابرة، والانطلاق منه نحو بناء جديد.

خاتمة
نحن لا نحتاج إلى وطن جديد…
نحتاج إلى جيل جديد يصنع وطنًا حقيقيًا.
جيل يعتز بماضيه، لكنه لا يسكنه.
جيل يرى أن “كنا وكنا” ليست خطة عمل، بل حافزًا للانطلاق.
جيل يقدّر الفكرة، لا القبيلة؛ الموهبة، لا المجاملة؛ الإبداع، لا الانتماء.

فلنخرج من قفص النوستالجيا، وندخل زمن الممكن.
*ولنقل للعالم: نحن السودان… ولسنا بقايا ذكريات بيان بالعمل.*

المقالة السابقة

أصل القضية … السودان ليس هشيمًا تذروه الحرب… بل أمة تعيد تشكيل نفسها .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

مشروع دلتا طوكر ” بين الفرص و التحديات وإنعاش الاقتصاد السوداني” .. بقلم/ احمد حسن الفادني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *