سيدي رئيس الوزراء،
تحية بحجم الوجع الذي حملته بلادنا، وأمل بحجم الحلم الذي ينتظرنا جميعا. بالأمس القريب، كلفتم واستلمتم أمانة ثقيلة ، لا يستهان بثقلها ولا يقدّر حجم تحدياتها الجثام، لكنها أمانة يمكن تحويلها إلى فرصة تاريخية لبناء دولة جديدة تحسب لكم في تاريخ السودان بصورة ايجابية، تستحقها الأجيال القادمة. تتقدم إليكم ببعض من الرسائل، لعلها تجد موقعها في بريدكم، وأنتم ترسمون الطريق الى مستقبل السودان الشرق.
الرسالة الأولى( المجتمع ) بجعل الوحدة مشروعا وطنيا:إن الانقسام و الشرخ الاجتماعي الذي حدث في السودان هو التحدي الكبير والأخطر بعد الحرب. حيث يحتاج الوطن إلى مشروع وطني لإعادة اللحمة المجتمعية، يبدأ من التعليم والإعلام ويتوج بالمصالحة الوطنية الشاملة. فلا توجد تنمية بدون نسيج اجتماعي متماسك. اطلقوا مشروعا قوميا لإعادة بناء الثقة، عنوانه (السودان وطن واحد، مصير واحد، ومسؤولية جماعية).
الرسالة الثانية ( السياسة) أوقفوا العبث، وابدأوا بالهندسة السياسية الواعية:آن الأوان لتنتقل السياسة من المساومات العابثة إلى الهندسة السياسية الواعية. هندسة مؤسسات الدولة القائمة على قاعدة الشفافية، والكفاءة، والمساءلة. لا معنى لحكومة بلا صلاحيات، ولا برلمان بلا تمثيل عادل، ولا دستور بلا توافق جامع. ضعوا حدا لمرحلة التجريب، وابدأوا في التأسيس لدولة حديثة جديدة عبر ميثاق سياسي وطني يعبر بنا إلى المستقبل بثقة وثبات.
الرسالة الثالثة (الاقتصاد) استثمروا في الإنسان قبل البنيان:أي خطة اقتصادية لا تبدأ من استثمار في رأس المال البشري، هي خطة ناقصة. افتحوا الباب لمشروعات إنتاجية حقيقية: الصناعات التحويلية، الزراعة الذكية، والتكنولوجيا، وابتعدوا عن فلسفة المعالجات الوقتية. و وازنوا بين العدالة الاجتماعية والانفتاح الاقتصادي، وشجعوا القطاع الخاص الحقيقي، لا الطفيلي ،وتبنوا ميزانية تعكس الأولويات الحقيقية مثل:( التعليم، الصحة، البنية التحتية، وتشغيل الشباب)،و ضعوا الاقتصاد في خدمة الاستقرار، لا في خدمة الموازنات السياسية الضيقة.
الرسالة الرابعة (الأمن) لا تبني الدول على الهشاشة و السيولة الامنية فلابد سيادة حقيقة القانون والقانون الرادع ،فالأمن هو الحاضنة الأولى لأي إصلاح وهو مسؤولية الجميع. لكن يجب أن يكون أمنا احترافيا امن لدولة لا لايدولوجية معينة لترعى مصالحها ، ولا مجرد سطوة عسكرية انما يكون مبني على اسس علمية وعملية حديثة لمكافحة أي تهديدات داخلية وخارجية ، كما لابد من وضع خطة لدمج القوات وتوحيدها تحت قيادة وطنية واحدة و هي معروفة، بمواصفات حديثة، وفق جداول زمنية واضحة، وبإشراف عال التنسيق ويتسم بالمهنية المجردة . اجعلوا من العدالة الانتقالية جزءا من عملية السلام، لا عقبة أمامه.
الرسالة الخامسة: (المستقبل) لا تنهض الدول بدون عقل تخطيطي وتنسيق مؤسسي عال:من أكبر أزمات ما بعد الحرب في الدول هو فقدان البوصلة. نحن بحاجة إلى مجلس او هيئة عليا للتخطيط الاستراتيجي، مستقل او مستقلة، يرتبط برئاسة الوزراء، ويعمل على وضع رؤى قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، بالتنسيق مع جميع مؤسسات الدولة ،وكل مؤسسة يجب أن تعمل وفق خطة وطنية موحدة، لا برامج متقاطعة أو متنافرة. التخطيط لا يعني الترف الفكري، بل هو مفتاح الخروج من الفوضى التي كنا نعيشها.
الرسالة السادسة( الشباب)لا تبنوا البلد بدونهم:
الشباب هم رأس المال الحقيقي وقادات المستقبل. فلابد من إشراكهم في الإدارة، والسياسة و التنفيذية ، وريادة الأعمال، وصناعة الرأي العام، سنعيد إنتاج الهشاشة التي نعيشها وكنا نعيشها لابد من تدريبهم ليصبحوا رجال دولة ويقدرون على ادارة شؤون بلادهم في المستقبل. افتحوا الباب لبرامج تمكين الشباب، لا كخطب رنانة، بل كخطط مدروسة.
أنشئوا مجالس او شبكات شبابية استشارية في كل وزارة ومحلية، واعتمدوا التدريب المهني والريادة كأدوات للتحول القيادي .
سيدي رئيس الوزراء،
ما حدث في السودان ليس نهاية الحلم، بل بداية الوعي. مسؤوليتكم الان ليست فقط إعادة ما تهدم، بل بناء ما لم يبنى قط: دولة حديثة، عادلة، منتجة، وذات سيادة وطنية قادرة على تخطي التحديات الداخلية و الخارجية ولها مكانة في المجتمع الدولي. واذا لم يحدث ذلك في عهدكم على الأقل تكون مرحلة التأسيس، فالتاريخ لايرحم.
ونختم رسائلنا لكم سيادة رئيس الوزراء بأن إرادة الشعوب لا تقهر، والشعب السوداني رغم الجراح ما زال يراهن على قياداته. فلا تخذلوه، ولا تكرروا أخطاء من سبق ونحن نعرف وانتم تعرفون جيدا ذلك.
(البلاد و الشعب مسؤوليتكم…فكونوا لهم عون كان الله في عونكم)