Popular Now

السيادة بين “وهم القوة” وحقيقة “العقد الاجتماعي”: قراءة في المأزق السوداني .. بقلم/ محمد الخاتم تميم .. باحث اكاديمي وزميل بحثي سابق بجامعة درهام _ بريطانيا

وجه الحقيقة | حكومة إدريس… بين الدولة و الفوضى .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

التنسيق الحكومي المتكامل ضرورة حتمية لبناء دولة مؤسسية فاعلة .. بقلم مستشار/ أحمد حسن الفادني ـ باحث بمركز الخبراء العرب

وجه الحقيقة … السودان و نقلات (الدومينو) الإقليمية .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

في ظل التصعيد العسكري بين إيران و إسرائيل، تتجلى في منطقة الشرق الأوسط ظاهرة “لعبة الدومينو”، التي تمثل سلسلة من الأحداث المتتابعة يؤثر كل منها في الآخر بشكل متسلسل. و رغم أن المواجهة بين طهران و تل أبيب لا تزال محدودة من حيث النطاق الجغرافي، إلا أن تداعياتها تتجاوز الحدود، لتطال دول الإقليم بأسره، خاصة تلك الواقعة على خطوط تماس النفوذ أو التي تشكّل منطقة عبور.

في هذا السياق، يحاول هذا المقال استكشاف كيفية تداخل الحسابات العسكرية مع المصالح الإستراتيجية للسودان في ظل هذه التطورات، و ما قد ينتج عنها من مرحلة جديدة من عدم الاستقرار في المنطقة إلى جانب قراءة لتحركات السودان المحتملة لطيّ ملف الحرب.

و رغم الطابع المحدود الحالي للمواجهة الإيرانية الإسرائيلية، إلا أن ارتداداتها مرشحة للوصول إلى معظم دول المنطقة، لا سيما لبنان، و سوريا، و العراق و اليمن، و ربما حتى الإمارات. هذا المشهد يهدد بإعادة تشكيل خارطة التحالفات و يفرض ترتيبات أمنية جديدة في مناطق النفوذ التقليدية.

أما السودان، فهو ليس بمنأى عن هذه التطورات. إذ يمكن أن تظهر انعكاسات هذا الصراع على ثلاث مستويات رئيسية: أولًا: اقتصاديًا من المرجّح أن تؤدي اضطرابات أسواق النفط، و التوترات في خطوط الملاحة بالبحر الأحمر، إلى تعميق الضغوط على الاقتصاد السوداني المرهق أصلًا بفعل الحرب. وقد يكون من الضروري التفكير جديًا في إيجاد منافذ بحرية بديلة، استنادًا إلى تجارب سابقة، مثلما حدث في عام 2021 حين لجأت الحكومة السودانية إلى مينائي العين السخنة و الإسكندرية في مصر نتيجة تكدّس الحاويات في ميناء بورتسودان.

ثانيًا: سياسيًا قد يتأثر الوضع السياسي الداخلي بانشغال بعض الحلفاء الإقليميين لمليشيا الدعم السريع بالمواجهة الكبرى، مما قد يُضعف مستوى الدعم السياسي واللوجستي المقدَّم لها، و يدفع القوى المحلية المتحالفة معها إلى مراجعة حساباتها و مواقفها لصالح فكرة الاستقرار السياسي و إعادة التموضع.

ثالثًا: أمنيًا تزداد المخاوف من تحوّل البحر الأحمر إلى ساحة صراع، في ظل التنافس الإقليمي على الموانئ الحيوية ومضيق باب المندب. ويشكّل موقع السودان، الذي يمتد على ساحل استراتيجي، عنصرًا حساسًا في هذا التوتر، ما قد يدفعه لاتخاذ مواقف سياسية تحافظ على مصالحه الوطنية العليا في بيئة متقلبة.

و في سياق المتصل، لا يمكن إغفال التحركات العسكرية الأخيرة لقوات المشير خليفة حفتر في المثلث الحدودي بين السودان، مصر و ليبيا. هذه التحركات التي قابلها الجيش السوداني بإجراءات رادعة قد تُفهم كجزء من مساعٍ لفرض نفوذ غير مباشر على منطقة تشكّل ممرًا للأسلحة والمقاتلين، أو لإرسال رسائل سياسية وأمنية إلى الأطراف الإقليمية بأن ليبيا الشرقية لن تبقى بمعزل عن ديناميكية ما يجري في السودان. كيف يمكن قراءة هذه التحولات بالنظر الي فرضية نهاية الحرب في السودان.

هناك مقاربتان محتملتان للإجابة: الأولى التفاؤل الحذر.. قد يؤدي انشغال الداعمين الإقليميين للمليشيا إلى تراجع التدخل الخارجي، ما يفتح أمام الجيش السوداني فرصة استراتيجية لتسريع عملياته العسكرية، واستعادة السيطرة على كامل التراب الوطني، خصوصًا في ظل انعدام الغطاء الدبلوماسي واللوجستي الذي كان يوفّر للمليشيا لاستمرار الصراع. هذا التغيّر الإقليمي قد يشكّل لحظة سانحة لتقليص نفوذ التمرّد، إذا ما أُحسن السودان استغلالها .

الثانية: التصعيد المبتز.. من جهة أخرى، قد تحاول بعض الأطراف المحلية المتحالفة مع المليشيا استغلال تداعيات الحرب الإقليمية لتأجيج الوضع الداخلي، عبر التلويح باستغلال أزمات الإمداد والخدمات المحتملة ، بهدف فرض أمر واقع جديد. هذا السيناريو يهدد بإحداث فوضى داخلية مصطنعة، تتطلب يقظة من القوى الوطنية الحريصة على أمن البلاد واستقرارها.

بالمقابل هناك تحركات إقليمية نحو السلام؟ حيث تناقلت الأخبار حديث عن تحركات قطرية و تركية هادئة لإحياء مسار السلام في السودان، على غرار الدور القطري السابق في دارفور. و رغم أن هذه المساعي قد تساهم في خلق توازن سياسي ضروري، إلا أن بناء الدولة السودانية في هذه المرحلة، يتطلب مقاربة عقلانية لمعادلات القوة و الدولة، و موازنة دقيقة بين الانفتاح الخارجي و حماية القرار الوطني، بعيدًا عن العزلة أو الخطاب الأيدولوجي.

في ظل هذا المشهد الإقليمي المتوتر، و التحركات العسكرية و السياسية المتسارعة، تبدو الفرصة سانحة، بحسب ما يظهر من وجه الحقيقة، للضغط نحو استعادة السلام في السودان، عبر مزيج من الحسم العسكري و العمل السياسي. غير أن هذا يتطلب إرادة داخلية قوية، و جهدًا دوليًا جادًا. و لا شك أن السودان، بموقعه الجيوسياسي، لا يزال في قلب التوازنات الإقليمية، ما يستوجب فهمًا عميقًا و معرفة دقيقة بمسارات القوى لضمان أمنه و سلامه المستدام.

دمتم بخير و عافية.
الأحد، 15 يونيو 2025 م Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

أصل القضية .. هدير الجبهات القادمة .. بقلم/محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء العرب

المقالة التالية

السمسم قيمة اقتصادية و غذائية عالية .. بقلم/ أحمد حسن الفادني

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *