من الحقائق الثابتة في الدراسات الهيدرولوجية أن نهر النيل يبلغ ذروة فيضانه عادةً في النصف الثاني من شهر أغسطس، حيث تتصاعد معدلات الأمطار الموسمية على الهضبة الإثيوبية، ومنها تنحدر السيول عبر النيل الأزرق لتشكل الموجة الأكبر للفيضان. وبنهاية أغسطس وبداية سبتمبر يبدأ المنسوب في التراجع التدريجي حتى تعود المياه إلى مستوياتها الطبيعية.
إلا أن ما نشهده اليوم ونحن في مطلع شهر أكتوبر من غمر للمدارس، والمستشفيات، والقرى والمدن السودانية بالمياه، يطرح تساؤلات جادة تتجاوز حدود التفسير التقليدي. فكيف لنهر عُرف باستقرار دوراته الموسمية أن يُغرق مدناً وقُرى بعد مرور ذروة الفيضان؟
احتمالات وتفسيرات
هناك عدة احتمالات يجب النظر إليها بعين التحليل:
سد النهضة الإثيوبي:
هل لما نشهده اليوم علاقة مباشرة مع اكتمال الملء الجديد للسد هذا الموسم؟ بعض التقارير تشير إلى أن عمليات التخزين والتفريغ قد تؤثر على توقيت وكثافة التدفقات المائية، وهو ما قد يفسر هذه الظاهرة غير المعتادة.
إدارة السدود السودانية:
الاحتمال الآخر هو سوء التنسيق أو ضعف الإدارة في تشغيل بوابات السدود داخل السودان (سد الروصيرص، سنار، مروي)، مما قد يؤدي إلى ارتباك في التحكم في التصريف المائي وبالتالي تفاقم الفيضانات.
التغيرات المناخية:
لا يمكن تجاهل البعد المناخي العالمي، حيث يشير الخبراء إلى أن التغير المناخي يؤدي إلى أنماط غير متوقعة في هطول الأمطار، سواء بزيادتها المفاجئة أو امتداد مواسمها إلى فترات أطول من المعتاد. ما يحدث في أكتوبر ربما يكون انعكاساً مباشراً لهذه التحولات المناخية.
اختبارات تشغيلية محتملة:
ثمة من يذهب إلى أن الأمر قد يكون جزءاً من تجارب تشغيلية أو تنظيمية تجريها بعض الجهات للتحكم في مجرى النهر. وحتى إن كان هذا الاحتمال ضعيفاً، إلا أنه يظل مطروحاً في ظل غياب المعلومات الدقيقة والشفافية حول ما يجري.
الحاجة إلى وضوح وشفافية
مهما كان السبب، فإن الضرورة تفرض علينا فهم حقيقة ما يحدث بدقة. فالأمر لا يتعلق بمياه غمرت بعض القرى فحسب، بل بتهديد مباشر لحياة المواطنين وممتلكاتهم وإضافة جرح جديد إلى جسد الوطن المثقل بالأزمات.
ومن هنا تبرز أهمية:
- تكوين لجنة علمية متخصصة للتحقيق في أسباب الفيضان في هذا التوقيت غير المعتاد.
- حصر المتضررين وتعويضهم بصورة عاجلة ومنصفة.
- تطوير نظم الإنذار المبكر والرقابة الهيدرولوجية، عبر الأقمار الصناعية والمحطات الميدانية.
- تعزيز الشفافية في إدارة الموارد المائية والتنسيق الإقليمي مع دول المنبع والمصب.
- ربط إستراتيجيات إدارة الفيضانات بالخطط الوطنية للتكيف مع التغيرات المناخية.
خاتمة
إن فيضان أكتوبر ليس مجرد كارثة طبيعية عابرة، بل جرس إنذار يحتم علينا مراجعة سياساتنا المائية، وتعزيز أدواتنا العلمية، والانفتاح على حلول إقليمية تعاونية. فالنيل شريان حياة لشعوب عديدة، وأي خلل في إدارته ستكون كلفته باهظة.
التوصيات الأساسية:
- ضرورة تحديد السبب العلمي الدقيق لما حدث هذا الموسم.
- الإسراع في تعويض المتضررين.
- إنشاء مركز وطني لإدارة المخاطر المائية والفيضانات.
- اعتماد خطط تكيف مناخي وطنية وإقليمية.
- تعزيز الشفافية والتعاون مع إثيوبيا ومصر في إدارة مياه النيل.
