في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث ويشتد فيه وقع الأزمات على السودان يقف فيه المعلم هذا الجندي المجهول في مقدمة الصفوف يحاول أن يحافظ على رسالته وأن يؤدي أمانته رغم شظف العيش وقسوة الظروف، ومع كل هذا ما يزال المجتمع ينظر إليه باحترام ولكن الحكومات المتعاقبة للأسف لم تمنحه ما يستحقه من تقدير وسياسات تحفظ كرامته وتعيد له مكانته الطبيعية كصانع للمستقبل.
# المعلم السوداني… معاناة صامتة في مهنة عظيمة
لم يعد واقع المعلم في السودان خافيا على أحد فقد تراجعت أوضاعه المعيشية إلى حد أجبر كثيرين على:
– الدروس الخصوصية لتوفير الحد الأدنى من الدخل.
– العمل في المدارس الخاصة برواتب أفضل نسبيًا رغم ضغط العمل وغياب الاستقرار.
– العمل خارج المجال التربوي في مهن أخرى ليست من صميم اختصاصه ولا من طموحه وهذه أخطر.
هذه التحولات ليست دليلًا على ضعف المعلم أو تخليه عن رسالته، إنما على عجز السياسات الحكومية عن توفير حياة كريمة لأهم مهنة في الدولة فالمعلم يعيش تحت ضغط هم المعيشة وملاحقة الإيجارات لا يمكن أن يتمتع بالهدوء النفسي الذي يمكنه من أداء رسالته العظيمة، وبالرغم ذلك لا يزال المعلم السوداني يقدم ما يستطيع ويجتهد في تعليم الأبناء دون أن يتخلى عن قيمه.
#سياسات حكومية لا تواكب أهمية المهنة
من أهم أسباب تدهور حال المعلمين أن سياسات الحكومات المتعاقبة تعاملت معهم كموظفين اعتياديين وليسوا أساس نهضة التعليم وأداة بناء الإنسان، فبدلًا من وضعهم في قمة هرم الرواتب أصبح المعلم في أسفله تقريبًا، وبدلًا من توفير بيئة عمل مهنية محترمة أصبحت المدارس الحكومية تفتقر لأبسط مقومات العملية التعليمية.
الدولة التي لا تنظر للمعلم باعتباره أهم مورد إستراتيجي لا يمكنها أن تتحدث عن إصلاح حقيقي أو نهضة تعليمية و لا مستقبل زاهر فالأمم التي نهضت جعلت المعلم أولًا… راتبه أولًا… تدريبه أولًا… مكانته الاجتماعية أولًا.
لقد كان المعلم في السودان عبر التاريخ رمزا للعلم والانضباط والأخلاق ولا يزال كذلك، لكنه اليوم يقف في مواجهة تحديات تضعف قدرته على العطاء وتدفعه بعيدًا عن رسالته.
# إذا صلح المعلم… صلح النشأ
هذه قاعدة لا خلاف عليها، فالمعلم هو الذي يصنع الطبيب والمهندس والقاضي والعسكري والصحفي والسياسي.
فإذا كان المعلم مرهقًا و مهمومًا و مكسور، وقليل الدخل فاقدًا لأبسط حقوقه ، فكيف نتوقع منه أن يخرج لنا أجيالا واثقة ومتعلمة ومثقفة وقادرة على النهوض بالبلاد؟
التعليم ليس فصولًا وكتبًا وحصصًا فقط، التعليم روح ورسالة وصبر وقيم ، فالمعلم هو حامل هذه الرسالة.
فإذا أردنا دولة قوية منتجة وعصرية فلا بد أن نبدأ من المعلم.
# ما المطلوب من الحكومة؟ نقد بناء ومسار واضح للإصلاح
لأن النقد يجب أن يصاحبه حلول فهذه أهم الخطوات التي ينبغي على الحكومة اعتمادها:
1. رفع مرتب المعلم ليكون الأعلى في الدولة ليس امتيازا إنما هو استثمار، فالراتب الجيد يكفل الاستقرار ويعيد للمعلم هيبته ويقلل اعتماد الطلاب على الدروس الخصوصية.
2. اختيار المعلمين وفق معايير صارمة والتعليم رسالة ولا ينبغي أن يكون ملجأً للباحثين عن الوظائف، فيجب اختيار الأفضل علمًا، وأخلاقًا وقدرة على التواصل، ونفسية تؤهله للتعامل مع الأجيال.
3. تطوير برامج التدريب والتأهيل المستمر فمعلم اليوم لا بد أن يكون مواكبًا للتكنولوجيا لطرق التدريس الحديثة ولأساليب التقويم الفعالة.
4. تحسين بيئة المدارس الحكومية فلا يمكن للمعلم أن يبدع في فصول مكتظة أو مدارس بلا معامل ولا أدوات تعليمية أو مناهج غير مواكبة.
5. إعادة المكانة الاجتماعية للمعلم عبر حملات إعلامية وسياسات تشجيعية وتكريم مستمر للأساتذة المتميزين.
# رسالة أخيرة إلى الدولة والمجتمع
إن مستقبل السودان لا يقاس بثرواته الطبيعية وحدها إنما يقاس بما يقدمه لمعلمه، فهو الذي يصنع الإنسان… والإنسان هو الذي يصنع الوطن، وإذا صح المعلم… صلح النشأ … وصلح الوطن ، وإذا ضاق بالمعلم الحال… ضاق مستقبل البلاد بأكملها.
اهتموا بالمعلم فمصير البلاد بيده.
