تمهيد: تحركات متزامنة أم استراتيجية مدروسة؟
في توقيت لافت، تتكثف تحركات دولة الإمارات العربية المتحدة على أكثر من مسار متصل بالحرب في السودان؛ توقيع اتفاقية إنسانية مع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدعم اللاجئين السودانيين، تزامنًا مع تصاعد تقارير صحفية وتحقيقات دولية تتهم أبوظبي بالتورط في تمويل ودعم قوات الدعم السريع، وظهور احتجاجات علنية في لندن تضع الدور الإماراتي تحت مجهر الرأي العام الغربي.
هذا التزامن يطرح سؤالًا مركزيًا: هل نحن أمام دبلوماسية إنسانية صادقة، أم دبلوماسية وقائية تهدف إلى احتواء الضغوط السياسية والقانونية المتصاعدة؟
أولًا: الاتفاق الإنساني… البعد الإغاثي أم إعادة التموضع السياسي؟
توقيع الإمارات اتفاقية مع المفوضية السامية للاجئين يأتي في لحظة بلغت فيها مأساة النزوح السوداني ذروتها، خاصة من إقليم دارفور. ومن حيث الشكل، تُحسب الخطوة ضمن الجهد الإنساني الدولي، لكنها من حيث التوقيت والسياق السياسي لا تنفصل عن محاولة إعادة صياغة الصورة الخارجية للإمارات، بوصفها «فاعلًا إنسانيًا» لا «طرفًا في نزاع».
الدبلوماسية الإنسانية هنا تؤدي وظيفة مزدوجة: تخفيف المعاناة من جهة، وبناء سردية مضادة للاتهامات المتزايدة من جهة أخرى، في ظل تصاعد الضغط الإعلامي والحقوقي الغربي.
ثانيًا: من جبال الإنديز إلى دارفور… تدويل الاتهام
تقارير استدراج مقاتلين أجانب – من كولومبيا وغيرها – للقتال في السودان نقلت ملف الحرب من نزاع داخلي إلى قضية عابرة للحدود. هذا التحول بالغ الخطورة سياسيًا، لأنه يفتح الباب أمام توصيف النزاع باعتباره ساحة «حرب بالوكالة»، ويضع الجهات الداعمة – ماليًا أو لوجستيًا – تحت طائلة المساءلة القانونية الدولية.
كما أن تدويل الاتهام يعني أن الملف لم يعد محصورًا في الروايات المحلية، بل أصبح مادة لتحقيقات صحفية كبرى، وتقارير منظمات حقوق الإنسان، وربما لاحقًا ملفات قانونية أمام محاكم دولية أو وطنية ذات اختصاص عالمي.
ثالثًا: لندن تتكلم… حين ينتقل الصراع إلى الشارع الغربي
اللافتات العملاقة التي ظهرت في شوارع لندن، منتقدة الدور الإماراتي في حرب السودان، ليست حدثًا إعلاميًا عابرًا، بل مؤشرًا واضحًا على انتقال القضية السودانية إلى فضاء الرأي العام الغربي. في هذا الفضاء، تتشكل الضغوط على البرلمانات والحكومات، وتبدأ مسارات المساءلة، سواء عبر لجان تحقيق غير رسمية أو دعاوى مدنية وحقوقية.
عند هذه النقطة، تتحول الدبلوماسية الوقائية من خيار سياسي إلى ضرورة استراتيجية.
رابعًا: التفاوض مع حكومة السودان… مخرج آمن أم صفقة سياسية؟
إعلان تولي حكومة السودان رسميًا قيادة مفاوضات مع الإمارات يفتح بابًا واسعًا لتساؤلات معقدة:
هل تسعى أبوظبي إلى مخرج آمن سياسيًا وقانونيًا من تبعات الحرب؟
هل يمكن أن نشهد صفقات سياسية–اقتصادية–إنسانية مقابل طيّ صفحة الاتهامات؟
أم أن هذه المفاوضات ستفضي إلى اعتراف غير مباشر بحجم التأثير الإماراتي في مسار الحرب السودانية؟
في هذا السياق، قد تراهن الإمارات على أن التفاوض المباشر مع الدولة السودانية يعيد الملف إلى مربع «الخلافات السياسية القابلة للتسوية»، ويخفف من زخم التقارير الحقوقية الدولية.
خامسًا: ماذا كسبت الإمارات من حرب السودان؟
إذا قُرئت الحرب بميزان الربح والخسارة، فإن الكلفة السياسية للإمارات باتت مرتفعة للغاية:
تشويه الصورة الدولية لدولة سعت طويلًا لتقديم نفسها كوسيط سلام.
تصاعد اتهامات التورط في انتهاكات جسيمة، بينها التطهير العرقي في دارفور.
انتقال الملف من الإعلام الإقليمي إلى الصحافة العالمية والمؤسسات الحقوقية المؤثرة.
أما المكاسب – إن وُجدت – فقد تحولت إلى عبء ثقيل، مع اتساع دائرة التدقيق والمساءلة السياسية والقانونية.
خاتمة سياسية مكثفة: بين الغطاء والمحاسبة
ما بعد انكشاف الدور الإماراتي في التقارير الصحفية العالمية ليس كما قبله. فالدبلوماسية الإنسانية قد تُخفف الضغوط مؤقتًا، لكنها لا تُسقط الأسئلة. والمفاوضات قد تفتح نافذة تهدئة، لكنها لن تمحو الذاكرة الحقوقية بسهولة.
السؤال الحاسم اليوم ليس: هل تتحرك الإمارات؟
بل: إلى أين يقود هذا التحرك؟
هل إلى تسوية شفافة تُنهي الحرب وتُحاسِب المتورطين؟
أم إلى صفقات تُدار في الغرف المغلقة لطيّ صفحات دامية لم تُقرأ بعد كاملة؟
البريد الإلكتروني: alzomzami.analysis@gmail.com