قرار وزير المالية بإيقاف عدد من مشروعات الطرق في ولايات الشرق الثلاث لا يمكن التعامل معه كإجراء مالي فقط بل هو قرار يلامس جوهر العلاقة بين الدولة وأقاليمها، ويعيد إلى الواجهة سؤال العدالة في توزيع التنمية لا سيما في لحظة وطنية شديدة الهشاشة الطرق التي شملها القرار (تلكوك توقان) بكسلا، سمسم (أم الخير) بالقضارف، و طوكر و (قرورة) بالبحر الأحمر ليست مشاريع إنشائية هامشية، بل شرايين اقتصادية حيوية تربط مناطق الإنتاج الزراعي والرعوي بالأسواق، والموانئ هي طرق تختصر الزمن والكلفة وتفتح أبواب الرزق وتمنح المجتمعات المحلية إحساسًا بالاندماج في الدولة لا الوقوف على هامشها.
صحيح أن وزير المالية من حيث النصوص القانونية يملك سلطة إعادة ترتيب الأولويات في ظل عجز الموارد لكن هذه السلطة ليست مطلقة فهي مقيدة بطبيعة المشروع وبكون هذه الطرق منصوصا عليها في اتفاقية سلام شرق السودان لعام 2006 وبمرحلة التنفيذ التي وصلت إليها إيقاف مشروعات مرتبطة باتفاق سلام لا يعني فقط تجميد إسفلت بل يضعف الثقة في التزامات الدولة ويفتح الباب لتأويلات سياسية خطيرة تبرير القرار بشح الموارد يظل ناقصا ما لم يُصاحبه شرح شفاف للمعايير التي تم على أساسها اختيار هذه المشروعات تحديدا للإيقاف لماذا تمس طرق الإنتاج في الأطراف بينما يظل الصرف المركزي أقل مساسا؟ ولماذا لم تطرح بدائل زمنية أو تمويلية أو يُفتح حوار مع حكومات الولايات والمجتمعات المتأثرة؟
شرق السودان إقليم ظل يدفع ثمن التهميش طويلا وأي قرار يفهم ولو عن غير قصد كتنصل من استحقاقاته يعيد إنتاج الإحساس القديم بالغبن فالدولة لا تدار بالأرقام وحدها بل بالحس السياسي وبالقدرة على الموازنة بين الضرورة المالية والاستقرار الاجتماعي.
هذه الطرف لا تعد بنية تحتية فقط بل رسالة وحين توقف الطرق دون إقناع أو تشاور تكون الرسالة قاسية أن الأطراف دائما هي أول من يدفع ثمن الأزمات وهذه معادلة أثبت التاريخ السوداني أنها لا تبني دولة بل تراكم أزماتها.
