لم تترك الحرب في السودان جراحًا في المدن والبيوت، بل فتحت شقوقًا عميقة في علاقة الإنسان بوطنه، فحين اضطر ملايين السودانيين إلى الخروج خارج البلاد لم تكن التجربة واحدة للجميع، ولم تتشابه طرق التعامل معها، ومع الوقت ظهر انقسام إنساني واضح في وجدان المنفى لا في الجغرافيا؛ هناك من خرج وهو يحمل السودان في قلبه رغم الألم، خرج بحثًا عن الأمان عن فرصة للعيش عن حماية لأسرته لكنه لم يغادر انتماءه، ظل يتابع أخبار بلده بقلق، ويتحدث عنه بحزن وينتقد واقعه من موقع المحب لا الشامت، هؤلاء يدركون أن فشل الدولة لا يلغي قيمة الوطن، وأن الحرب مهما قست لا تختصر شعبًا ولا تاريخًا. هجرتهم كانت ضرورة لا خيارًا أخلاقيًا ضد البلاد.
وفي المقابل ظهرت فئة أخرى اختارت بوعي أو بدونه أن تقطع الخيط الوجداني مع السودان لم يكن خروجها مجرد انتقال مكاني، بل تحوّل نفسي، صار الحديث عن البلد مشوبًا بالسخرية وبالتحميل الكامل للمجتمع مسؤولية ما جرى وبالتقليل من كل ما هو سوداني وكأن الألم كان أثقل من أن يحتمل فتمّ التخلص منه عبر التبرُّؤ لكن هذا السلوك مهما كانت دوافعه مفهومة إنسانيًا يظل إشكاليًا، فالتخفف من وجع الوطن لا يكون بإنكاره ولا بالانسلاخ عنه. كثيرون ممن يسلكون هذا الطريق لا يفعلون ذلك كراهية، بل هروبًا من الإحباط أو رغبة في بدء حياة جديدة بلا أثقال أو بحثًا عن قبول في مجتمعات جديدة غير أن الثمن غالبا يكون باهظا خسارة الجذور.
الفرق الحقيقي ليس بين من سافر ومن بقي، بل بين من حافظ على صلته المعنوية بوطنه ومن قطعها. أن تبحث عن حياة أفضل حق إنساني أصيل، لكن أن يتحول خراب البلد إلى أمر لا يعنيك فذلك جرح آخر يضاف إلى جراح السودان.
الأوطان لا تحتاج فقط إلى من يعود إليها، بل إلى من لا يتخلى عنها وهو بعيد فالحرب قد تفرض المنفى لكنها لا يجب أن تفرض القطيعة.
