حين كتب د. عبد الله محمد سليمان كلماته، “عود لينا يا ليل الفرح” وغناها الطيب عبد الله، في تقديري لم يكن يصف مجرد حالة عاطفية، بل كان بحدس الشاعر، يلامس حاجة إنسانية خاصة تعبر عن مجتمع مثقل بالجراح إلى مساحة فرح ولو مؤقت . لذلك بقي هذا النداء المترع بالحنين حيّاً في الوجدان السوداني عبر كثافته الإيحائية، يتيح الانتقال بالدلالة من الخاص إلى العام، و يستلف كلما ضاق الأفق واتسعت مساحة الترقب. كما ظل حاضر ومتجدد في الذاكرة السودانية التي تحيطها الآمال والتحديات.
اليوم يعود هذا النداء من بوابة الواقع، وليس من منصة الشعر و الغناء. فإعلان لجنة تنسيق شؤون أمن ولاية الخرطوم بالأمس عن انخفاض مؤشر الجريمة وخلو أقسام الشرطة من الجرائم الخطرة خلال الأسبوع الأول من رمضان يعد خبراً دالا علي عودة الأمن، بل علامة سياسية تستحق القراءة المتأنية. ذلك بالنظر إلى سياقات ما بعد النزاعات، كثيراً ما يكون منحنى الجريمة هو المؤشر الأكثر حساسية على مستوى استعادة الدولة لوظيفتها الأساسية. فرض النظام العام وبسط الأمن واستعادة الطمأنينة.
لكن القراءة المنتبهة تقتضي الحذر من الإفراط في التفاؤل. فالتحسن الأمني الذي عُزي إلى تفعيل الخطط الوقائية وانتشار القوات الراجلة والمتحركة يعكس — في جانب منه — نجاحاً تكتيكياً، لا تحولاً استراتيجياً مكتمل الجوانب . إذ إن توجيهات اللجنة بتكثيف الأطواف المشتركة وتشديد الضبط خلال الفترات المسائية تكشف أن المؤسسة الأمنية ما تزال تتعامل مع واقع قابل للانتكاس، وأن الطمأنينة ما تزال في طور الاختبار.
من زاوية أوسع، يمكن فهم هذه الإجراءات ضمن محاولة الدولة إعادة إنتاج هيبتها في العاصمة بعد فترة من السيولة الأمنية. فالتشدد في الالتزام بموجهات لجنة أمن الولاية، ومتابعة تنفيذ القرار (153) الخاص بإخراج المظاهر العسكرية من الخرطوم، يشيران إلى إدراك رسمي بأن معركة الاستقرار لا تُحسم فقط بخفض الجريمة، بل بتفكيك مظاهر التسلح الموازي واستعادة احتكار الدولة للقوة المنظمة. وهذه الإجراءات المهمة في تجارب الدول الخارجة من الحروب هي التحدي الأكثر تعقيداً.
في السياق ذاته، يحمل قرار الولاية بتخصيص معرض الخرطوم الدولي لاستقبال المنهوبات المستردة دلالة سياسية تتجاوز بعدها الإجرائي. فإعادة الممتلكات إلى المواطنين تمثل اختباراً عملياً لقدرة الدولة على الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة سيادة القانون. وإذا أُدير هذا الملف بشفافية وكفاءة، فقد يشكل رافعة معنوية مهمة لترميم الثقة العامة بين المواطن والدولة، وهي الثقة التي تُعد حجر الزاوية في أي عملية تعافٍ وطني.
بالتوازي مع ذلك، تتكاثر إشارات الإيجابية عن عودة الحياة إلى الخرطوم. تحسن نسبي في خدمات الكهرباء والمياه، استئناف عمل المؤسسات الحكومية، إعادة تشغيل المستشفيات، وانتعاش الأسواق وحركة المواصلات. كما أن عودة أعداد كبيرة من النازحين، وامتلاء المساجد بالمصلين في رمضان، تعطي انطباعاً بأن المدينة تحاول استعادة إيقاعها القديم. غير أن القراءة الواقعية تفرض التمييز بين التعافي الظاهري والاستقرار المستدام ، فحجم الدمار، وضغط المعيشة، وكلفة إعادة الإعمار، كلها عوامل قد تعيد إنتاج الهشاشة إذا لم تُدار ضمن رؤية اقتصادية وسياسية متكاملة، تقف عليها الحكومة الولائية والاتحادية.
وعليه بحسب #وجه_الحقيقة فإن لحظة الخرطوم الراهنة يمكن توصيفها بأنها مرحلة “الطمأنينة الحذرة” مؤشرات إيجابية تتقدم ببطء، يقابلها واقع ثقيل من التحديات البنيوية. وبين الاثنين، يتشكل المزاج العام للمدينة — مزاج يشبه تماماً نبرة الأغنية القديمة: رجاءٌ يطل من بين تحديات القلق.
هذه المسافة بين النص وشرحه تشبه، إلى حد بعيد، حاجة الخرطوم اليوم إلى أن تُقرأ بوصفها مشروع أمل يتجدد، لا مجرد ملف أمني أو إنساني. حتى يتحقق ذلك، ستظل المدينة — مثلما قالت الأغنية — تنتظر أن يعود ليل الفرح، لا كأمنية شعرية، بل كحقيقة سياسية واجتماعية راسخة.
دمتم بخير وعافية.
الخميس 26 فبراير 2026 م Shglawi55@gmail.com


