Popular Now

من ياتو ناحية!؟ .. د. محمد عبدالعاطى عبدالله المكى

سلسلة صفقات ترامب – سلام إيران .. التقرير رقم (21) .. صفقة مضيق هرمز: بين الانسحاب الأمريكي وإعادة تشكيل ميزان القوة ..د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (3) .. بقلم: د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (3) .. بقلم: د. إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

في الفكر الاستراتيجي الحديث، يؤكد المفكر الفرنسي برونو لو مير أن الدولة التي تفقد توازنها بين الداخل والخارج، وبين الاقتصاد والسياسة، تدفع ثمن ذلك من استقرارها وسيادتها. بينما يشير الباحث الفرنسي رودولف دوراند إلى أن النظم الثورية حين تستبدل شرعية التاريخ بشرعية الأيديولوجيا، فإنها تفتح أبواب الصراع على مصاريعها. أما المفكر الصيني يان شوييه تونغ فيذهب إلى أن القوة الحقيقية لا تُقاس بترسانة السلاح، بل بقدرة النظام على بناء شرعية أخلاقية داخلية وتحالفات متوازنة خارجية. ومن هذا المدخل النظري يمكن قراءة حقبة منغستو في إثيوبيا بوصفها تجسيداً درامياً لاختلال المعادلة بين السلطة والجغرافيا والتاريخ.
في سياق تتبعنا لميراث حكام إثيوبيا، وبعد أفول نجم الحقبة الإمبراطورية، غشيت البلاد سحابة حمراء كانت جزءاً من التحولات في بنية النظام الدولي ثنائي القطب. فقد اعتنق نظام منغستو الماركسية، وتم استبدال الإمبراطورية بحكم ديكتاتوري مستبد ظالم، واستجار الشعب الإثيوبي من الرمضاء بالنار.
اقترح قائد الجيش الجنرال أمان ميشيل إندوم على مجلس قيادة الثورة في العهد الجديد إيقاف الحرب بين إريتريا وإثيوبيا، غير أن رد فعل منغستو كان إطلاق النار عليه وإعدامه، وأمر بإعدام عدد من الوزراء وكبار ضباط الجيش وآخرين قيل إن عددهم تجاوز ستين فرداً. وفي محاولة لإنهاء تلك الحرب عام 1976 أُعيدت نفس مطالب إندوم من قبل مجلس قيادة الثورة، وصوّت أعضاء المجلس لطرح الثقة من الديكتاتور الماركسي، إلا أنه انتهز الفرصة وأطلق النار عليهم وهم في اجتماع، وتخلص منهم جميعاً. وهكذا انفرد هيلا ماريام بالحكم وأصبح حكماً تسلطياً قاسياً عديم الرحمة.
أطلق منغستو عملية “الرعب الأحمر”، فعاثت مليشياته في أديس أبابا قتلاً وترويعاً، وقُتل ما يربو على خمسة آلاف من السكان، غالبيتهم من الشباب، رداً على محاولات حزب الشعب الثوري الإثيوبي والحركة الاشتراكية لكافة إثيوبيا القيام بثورة ضده. وتعميقاً لجراح الشعوب الإثيوبية أقام المزارع الجماعية تطبيقاً للنظرية الماركسية، وأمّم المصانع وشركات القطاع الخاص، في محاولة لتوطيد نظام بلشفي على أنقاض إمبراطورية موالية للغرب.
أيقنت الولايات المتحدة الأمريكية أنها فقدت ولاء حكام إثيوبيا، فقررت حظر السلاح ومنع منغستو من الحصول على الدعم العسكري الأمريكي. وبطبيعة الحال، اتجه منغستو نحو الاتحاد السوفيتي والدول الشرقية، وناصب الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا العداء، التي بدأت حرب عصابات قاسية ألحقت هزائم متتالية بالجيش الإثيوبي حتى فقد ثلث عدده.
تلبدت سماء النظام بالغيوم، وداهمه الخطر من جهة الصومال بنشوب حرب هدفت إلى استعادة إقليم أوغادين. وفي الوقت نفسه تأسست الجبهة الشعبية لتحرير تغراي، فشنت حرباً على حكومة منغستو واستولت على الإقليم. ثم اندلعت ثورة الأورومو مطالبة بانفصال الإقليم، وقادتها جبهة تحرير أورومو، فشكلت أخطر تحدٍ واجهه النظام لاعتبارات جيوسياسية وعملية.
أمام هذا المأزق الأمني، وفي ظل صراع الحرب الباردة وتدخلاتها في أفريقيا حرباً بالوكالة، ومع نزعة الحكم الفردي وبطش منغستو، الذي بدا كإمبراطور في ثوب ماركسي يبحث عن عدالة اجتماعية متوهمة، لم يكن أمامه سوى طلب الحماية من الاتحاد السوفيتي. فتدفقت المساعدات العسكرية والأسلحة، وفي عام 1977 أرسل فيدل كاسترو سبعة عشر ألف جندي كوبي لمساندته، فاستطاع تثبيت أركان حكمه حتى عام 1984، قبل أن تبدأ مرحلة الانحدار الحاسم.
تجلت قسوة الحكم في مواجهة الثورة الإريترية التي حاصرت قوات “الدرغ” في أسمرا ومصوع وعصب. فجند منغستو أربعين ألف مزارع إثيوبي وأمرهم بالتقدم نحو قوات الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا، فقُتلوا في مشهد أشبه بالمذابح. وفي الوقت نفسه كان إقليم تغراي في حالة مقاومة مكتملة الأركان.
وعندما حلت المجاعة في إثيوبيا عامي 1983 و1984، منع النظام منظمات ووكالات الإغاثة الدولية من تقديم العون، فمات قرابة مليون إثيوبي بسبب سياسات وقرارات الحاكم. وفي عام 1989 أوقف الاتحاد السوفيتي دعمه لنظام منغستو بعد أن تبين له أنه لم يحقق أهدافه في أتون الحرب الباردة، وسحبت كوبا ما تبقى من قواتها.
في محاولة أخيرة، وقع انقلاب ضد منغستو أثناء وجوده خارج البلاد، لكنه فشل بدعم من القوات الجوية الموالية له. وعندما عاد أطلق حملة عنيفة أعدم فيها أعداداً كبيرة، بينهم أربعة عشر جنرالاً اتهموا بتدبير الانقلاب.
شنت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا هجوماً واسعاً على الجيش الإثيوبي في معاقله، في أعقاب فشل الاتفاق الذي رعته إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر وبمساندة الاتحاد السوفيتي. وكان عام 1990 بداية الفصل الأخير؛ إذ تقدمت قوات الجبهة الشعبية لتحرير تغراي في مايو 1991 إلى أديس أبابا، واستولت على المدن في الطريق دون مقاومة تذكر. هرب منغستو إلى زيمبابوي وأصبح لاجئاً هناك.
أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا استكمال تحرير البلاد بعد السيطرة على الموانئ، وأعلن الجيش الإثيوبي استسلامه للجبهة الشعبية لتحرير تغراي بقيادة مليس زيناوي، الذي أصبح رئيساً لإثيوبيا لاحقاً. وفي استفتاء أبريل 1993 صوّت الشعب الإريتري بنسبة 98% لصالح الاستقلال.
هكذا دارت دورة التاريخ، وترك منغستو وراءه أزمات يندى لها الجبين. عادت المجاعة لتضرب أجزاء واسعة من إثيوبيا عام 1995، غير أن الحكومة الجديدة لم تمنع وكالات الإغاثة من تقديم العون. لقد كان حكم منغستو حلقة جهنمية في ميراث الحكام، انعكاساً لمرحلة الحرب الباردة بسياسات الردع والاحتواء وسباق التسلح والحرب بالوكالة، وكانت أفريقيا إحدى ساحاتها، كما شهدت أنغولا وليبيريا وسيراليون.
إن سقوط الاتحاد السوفيتي سرّع بنهاية حكم منغستو، غير أن الأزمات بقيت تتناسل حتى في ظل النظام الدولي الأحادي القطب. واليوم، تبقى أوضاع إثيوبيا في ظل حكم آبي أحمد رهينة تبدلات النظام الدولي وربما بروز نظام متعدد الأقطاب. غير أن حتمية الجغرافيا وأحكام التاريخ تملي على حكام إثيوبيا أن يكفوا أيديهم عن زعزعة أمن دول الجوار، بدءاً من الصومال وإريتريا، وأن يبتعدوا عن إيذاء السودان ودعم الصراعات فيه، وأن يعيدوا النظر في سياسات المحاور الإقليمية التي لا تجلب خيراً لشعوب إثيوبيا ولا لشعوب المنطقة.
فالتاريخ لا ينسى، والجغرافيا لا ترحم، ومن لم يعتبر بدروس الأمس دفع كلفة الغد مضاعفة.

المقالة السابقة

مسارات .. الحرية الصحفية: جدلية القانون والتطبيق .. بين النصوص اللامعة وواقع الممارسة المتعثّر .. د.نجلاء حسين المكابرابي

المقالة التالية

سلسلة صفقات ترامب – سلام إيران .. التقرير رقم (21) .. صفقة مضيق هرمز: بين الانسحاب الأمريكي وإعادة تشكيل ميزان القوة ..د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *