دخلنا القرن الحادي والعشرين ونحن نحمل منظومة من القناعات التي تشكلت عبر مؤسسات تقليدية مستقرة مثل الأسرة، والمدرسة، والمسجد والدولة. غير أن التحول الرقمي العميق أعاد ترتيب مصادر التأثير في الوعي لتصبح الخوارزميات احد ابرز الفاعلين في تشكيل القناعات الفردية والجماعية. فالقناعة اليوم لم تعد نتاج تجربة اجتماعية طويلة بل، أصبحت تبنى داخل بيئة رقمية متغيرة تدار بمنطق البيانات والتفضيلات والسلوك الرقمي.
يشير الأستاذ موفق عبد الرحمن إلى هذا التحول عندما يقول دخلنا عتبة القرن الحادي والعشرين ونحن نحمل معنا إرثًا من المفاهيم والقيم التي اتسمت بالرسوخ والاستقرار لنجد انفسنا فجأة في عالم يعمل على إذابة المسلمات ويعيد صياغة الثوابت وهو توصيف دقيق للحظة الانتقال من قناعات صلبة إلى قناعات سائلة تتشكل بسرعة وتستبدل بسهولة. فالقناعة التي كانت تبنى عبر النقاش المباشر والتجربة الاجتماعية أصبحت اليوم تتشكل عبر المحتوى المقترح والخوارزميات التي تحدد ما نراه وما لا نراه.
وفي هذا السياق يتقاطع هذا التحول مع ما طرحه عالم الاجتماع زيجمونت باومان حول الحداثة السائلة حيث لم تعد البنى الاجتماعية ثابتة بل أصبحت الخيارات الفردية محكومة بمنطق التغير المستمر. وهذا التحول انعكس مباشرة على تكوين القناعات اذ لم تعد القناعة مرتبطة بإطار معرفي مستقر بل أصبحت مشروعا مفتوحا يخضع للتحديث المستمر وفق ما تعرضه المنصات الرقمية.
لقد نقلت الخوارزميات عملية تكوين القناعة من المجال الاجتماعي المفتوح إلى غرف الصدى الرقمية. ففي هذه البيئة يغذى المستخدم بمحتوى يشبه اهتماماته السابقة ما يعزز انحيازاته ويجعل القناعة اكثر صلابة داخليا رغم أنها قد تكون مبنية على معلومات جزئية أو غير متوازنة. وهنا تتشكل قناعة رقمية ذاتية يظن صاحبها أنها نتاج تفكير مستقل، بينما هي في الواقع نتيجة هندسة خوارزمية دقيقة.
ويؤكد الأستاذ موفق عبد الرحمن هذا المعنى حين يشير إلى أن الهوية لم تعد جذورا تضرب في الأرض، بل مراسي مؤقتة يسهل رفعها للإبحار نحو شواطئ جديدة وهو توصيف يمكن إسقاطه على القناعات أيضًا فالقناعة في العصر الرقمي لم تعد موقفا ثابتًا، بل أصبحت قابلة للتبدل السريع تبعا لتدفق المحتوى. فالمستخدم قد ينتقل من موقف إلى آخر خلال فترة قصيرة نتيجة التعرض المكثف لسردية رقمية واحدة تعيد تشكيل إدراكه للواقع.
كما ان الخوارزميات لا تعزز القناعات الفردية فحسب بل تصنع مجتمعات من القناعات المتشابهة. فالأفراد الذين يتلقون محتوى متقاربًا يتشكل لديهم تصور موحد للعالم ما يؤدي إلى الاستقطاب الثقافي والفكري. ومع الوقت تتحول هذه القناعات إلى حقائق داخل المجموعة الرقمية حتى وان كانت بعيدة عن الواقع الاجتماعي الأوسع. وهنا تتشكل قناعات عابرة للحدود تتجاوز السياق المحلي وتستند إلى التجربة الرقمية المشتركة.
إن أخطر ما في هذا التحول أن الخوارزميات لا تفرض القناعات بشكل مباشر، بل تبنيها تدريجيًا عبر التكرار والانتقاء. فالمحتوى المتكرر يخلق إحساسا باليقين والانتقاء يضيق مجال الرؤية ومع الزمن تتشكل قناعة تبدو طبيعية وبديهية. وهكذا تنتقل القناعة من كونها نتيجة بحث معرفي إلى كونها نتيجة تعرض خوارزمي طويل.
ومع ذلك فان هذا الواقع لا يعني نهاية القناعات الراسخة بل يشير إلى ضرورة تطوير وعي نقدي قادر على التعامل مع الخوارزميات. فالمطلوب اليوم ليس الانسحاب من الفضاء الرقمي، بل فهم آلياته وتوسيع مصادر المعرفة وكسر غرف الصدى حتى لا تتحول القناعات إلى انعكاس مباشر لما تقترحه المنصات.
وفي الختام، يمكن القول أن الخوارزميات أصبحت لاعبًا أساسيًا في تكوين القناعات في العصر الرقمي فهي تعيد ترتيب الأولويات، وتوجه الانتباه وتعزز الانحيازات وتبني مجتمعات فكرية متشابهة. وبينما وصف الأستاذ موفق عبد الرحمن زمننا بانه زمن السيولة فان القناعات أيضًا أصبحت سائلة تتشكل بسرعة وتتحول باستمرار ويبقى التحدي الحقيقي هو بناء قناعة واعية تستفيد من الانفتاح الرقمي دون أن تفقد قدرتها على النقد والتوازن.
الخوارزميات وتكوين القناعات في زمن السيولة الرقمية .. قراءة في مقالات الأستاذ موفق عبد الرحمن .. بقلم: د. محمد حسن فضل الله
المقالة السابقة


