Popular Now

مسارات .. السودان بين حق الرد وحافة الاشتعال الإقليمي .. د.نجلاء حسين المكابرابي

وجه الحقيقة |من بحر دار إلى الخرطوم… حرب الظل وابتزاز العودة .. إبراهيم شقلاوي

أصل القضية | دعوة لإعادة كتابة التاريخ في السودان .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

أصل القضية | دعوة لإعادة كتابة التاريخ في السودان .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

ليست الإشكالية في نقص المعرفة، بل في بنية المعرفة ذاتها: كيف تُنتَج، وكيف تُستخدم، وكيف تُفرض بوصفها يقينًا.
في السودان…
هذا المقال لا يبدأ من فراغ، بل يأتي بوصفه امتدادًا لمسارٍ فكري حاولنا عبره تفكيك طبقات الأزمة من زوايا متعددة:
● تساءلنا: هل ندري أننا لا ندري؟ لنكشف أزمة الوعي وحدود المعرفة
● ثم سألنا: لماذا لا نُسمي مشاكلنا بأسمائها؟ لنفكك دور اللغة في إخفاء الواقع
● وتأملنا: السوداني… حين يقبل الآخر وحين يضيق به لنقرأ التناقض السلوكي
● وطرحنا: هل إلى دراسة المجتمع السوداني من سبيل؟ لنراجع أدوات الفهم ذاتها.
واليوم…ننتقل خطوة أبعد من تفكيك الأعراض… إلى مساءلة البنية التي تنتجها حيث لا يمكن مقاربة الأزمات بوصفها نتائج مباشرة لواقع سياسي أو اقتصادي مضطرب فحسب، بل يجب التعامل معها كنتاج تراكمي لبنية أعمق: بنية إدراك تنتج الفهم قبل أن تنتج المواقف. هذه البنية تتشكل عند تقاطع ثلاث طبقات حاسمة: الوعي، اللغة، والتاريخ.
ومن هنا تصبح إعادة كتابة التاريخ ليست تمرينًا فكريًا، بل مدخلًا استراتيجيًا لإعادة بناء القدرة على الفهم وبالتالي على الفعل… وهنا يبدأ أصل القضية

أولاً: الجهل المركب… حين يتحول الإدراك إلى عائق
لا تكمن المشكلة في ألا نعرف، بل في أننا نعتقد أننا نعرف.
في هذا المستوى، يتوقف العقل عن البحث ويبدأ في تثبيت ما لديه بوصفه حقيقة نهائية.
فتتحول القناعات إلى:
• مغلقة على المراجعة
• مقاومة للشك
• قادرة على تفسير كل شيئ دون أن تفسر شيئًا فعليًا
هنا لا يعود الجهل نقصًا في المعرفة، بل خللًا في بنية الإدراك نفسها

ثانياً: اللغة… من أداة كشف إلى أداة إدارة
في البيئات المستقرة، تُستخدم اللغة لتوضيح الواقع. أما في البيئات المأزومة—كما في الحالة السودانية— فتتحول اللغة إلى أداة لإدارة الانطباع، لا كشف الحقيقة.
فنقول:
● “الوضع معقد” بدل “هناك فشل”
● “ظروف صعبة” بدل “خلل بنيوي”
> هذا التحول ليس لغويًا فقط، بل معرفي.
لأنك لا تستطيع معالجة ما لا تستطيع تسميته بدقة
وهكذا تُنتج اللغة واقعًا أقل وضوحًا وأكثر قابلية للاستمرار.

ثالثاً: التاريخ… حين يفقد وظيفته التفسيرية
عند التقاء وعي غير ناقد مع لغة مُخفِّفة،يتحول التاريخ من أداة للفهم إلى مرجعية مشوّهة.
المشكلة ليست في تعدد الروايات، بل في:
○ انتقائيتها
○ توظيفها السياسي
○ وغياب مراجعتها النقدية
في هذه الحالة:
لا يُستخدم التاريخ ليفسّر الحاضر، بل ليبرره أو ليعيد إنتاجه. فيفقد التاريخ وظيفته التفسيرية ويكتسب وظيفة سلطوية.

رابعاً: مرآة الواقع
حين يتكلم الناس بلغة تُخفي أكثر مما تُظهر في الخطاب اليومي.
فبعد الأزمات منذ ٢٠١٨م وحتى بعد حرب أبريل ٢٠٢٣م تظهر عبارات مثل:
● “الما طلع… أكيد عنده غرض”
● “لو ما متعاون… كان مرق”
هذه العبارات ليست مجرد انفعالات، بل مؤشرات على خلل أعمق:
○ تفسير السلوك دون معرفة السياق.
○ إطلاق الأحكام دون تحقق.
○ تحويل الظن إلى يقين.
هنا يتجلى التاريخ غير المُراجع ليس في الكتب، بل في طريقة التفكير.

خامساً: لماذا نفشل في فهم المجتمع؟
لأننا لا نقرأ الواقع مباشرة، بل نقرأه عبر “مرجعية” غير مُراجعة. لهذا نقع في ثلاث اختلالات متكررة:
○ الاختزال: تقليص الظواهر المركبة إلى سبب واحد.
○ الإسقاط: فرض تصورات مسبقة على الواقع.
○ التسييس المفرط: تفسير كل شيء بمنطق الصراع.
هذه ليست أخطاء تحليلية فقط، بل نتائج طبيعية لبنية معرفية مختلة.

سادساً: التناقض السلوكي نتيجة وليس لغز
يظهر السوداني في حياته اليومية:
• متسامحًا
• مرنًا
• قابلًا للآخر
لكن في سياق الصراع:
○ يصبح حذرًا
○ تصنيفيًا
○ سريع الاستقطاب
هذا ليس تناقضًا أخلاقيًا، بل نتيجة مباشرة لتاريخ غير محسوم في الوعي الجمعي حيث تُستدعى الذاكرة عند التوتر، وتُعاد صياغة “صورة الآخر” بناءً على روايات غير مُراجعة.

سابعاً: إعادة كتابة التاريخ… كيف نحولها إلى أداة عملية؟
إعادة كتابة التاريخ لا تعني إعادة السرد، بل إعادة بناء طريقة التعامل معه.
ويمكن تحويلها إلى ممارسة عبر ثلاث آليات واضحة:
١) اختبار الرواية
• من كتبها؟
• ماذا أُبرز فيها؟
• ماذا تم إسكاته؟
٢ ) تدقيق اللغة
• هل الوصف دقيق أم مُخفِّف؟
• هل المصطلح يشرح أم يُغطي؟
٣) ربط المستويات
• كيف يتصل الحدث التاريخي بالسلوك الحالي؟
• كيف تُترجم الذاكرة إلى مواقف؟ بهذه الآليات يتحول التاريخ من “معلومة” إلى “أداة تحليل”

ثامناً: من التاريخ الرسمي إلى التاريخ الحي
التاريخ لا يوجد فقط في الوثائق، بل في:
• النزوح
• التحولات الاجتماعية
• اللغة اليومية
• الذاكرة الشعبية.
هذا هو “التاريخ الحي” الذي لا يُكتب فقط، بل يُعاش
وحين نُصغي إليه…
نكتشف أن المجتمع أكثر تعقيدًا… وأكثر قابلية للفهم مما يبدو

تاسعاً: منهج الجسر والمورد… كإطار لإعادة البناء
ضمن هذا التعقيد،تقدّم “الجسر والمورد” رؤية تشغيلية تقوم على:
● الربط بدل الإلغاء: بين الروايات لا ضدها
● الفهم قبل الحكم: تأجيل التقييم لصالح الاستيعاب
● تحويل التاريخ إلى مورد: من عبء إلى أداة بناء، الهدف ليس فقط فهم الواقع، بل إعادة بناء العلاقة معه.
أصل القضية في الجملة التي تغيّر طريقة النظر
السودان لا يعاني فقط من أزمات في الواقع، بل من أزمة في الطريقة التي يفهم بها هذا الواقع. لذلك، ولن يكون التغيير عبر
الوقائع فقط بل في تغيير كيفية قراءتها، العبرة ليست في تعقيد ما يحدث، بل في بساطة التفسيرات التي نستخدمها لفهمه لأن المجتمع الذي لا يُراجع تاريخه لا يُخطئ فقط في قراءة ماضيه، بل يُعيد إنتاج أزماته في حاضره، وهنا بالضبط أصل القضية.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي ، رقم 6046 | كل الكيانات السياسية تعمل من خلال منسوبيها فقط ولكن الحركة تعمل من خلال كل المواطنين إلا من أبى أو لم ينشط !!!

المقالة التالية

وجه الحقيقة |من بحر دار إلى الخرطوم… حرب الظل وابتزاز العودة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *