لم تكن الحرب التي اندلعت في السودان مجرد صراع داخلي على السلطة كما حاول كثيرون تصويرها في بداياتها، بل كانت في جوهرها معركة على مستقبل الدولة السودانية نفسها، وعلى موقعها الجغرافي وثرواتها وقرارها السيادي. ومع مرور الوقت بدأت ملامح المشروع الذي كان يراد فرضه على السودان تتكشف شيئًا فشيئًا حتى أصبح واضحًا أن الأمر تجاوز حدود الدعم السياسي أو الاصطفاف الإقليمي إلى محاولة إعادة تشكيل السودان وفق مصالح خارجية محددة.
لقد بني المشروع الإماراتي في السودان على عدة مرتكزات أساسية كانت جميعها ترتبط بالسيطرة على الجغرافيا والاقتصاد ومفاصل القوة داخل الدولة، وكان التصور يقوم على أن الجيش السوداني بما يمثله من مؤسسة وطنية ذات جذور تاريخية يشكل العقبة الكبرى أمام تمرير تلك الترتيبات، ولذلك أصبح إسقاطه أو إضعافه هدفًا مركزيًا في المشروع كله.
أولى هذه المرتكزات كانت السيطرة على الموانئ السودانية خاصة ميناء بورتسودان ومشروع ميناء أبو عمامة لأن البحر الأحمر لم يعد مجرد منفذ بحري عادي، بل أصبح واحدًا من أهم مسارات النفوذ الدولي في المنطقة وكانت السيطرة على هذه الموانئ تعني عمليا امتلاك مفتاح اقتصادي وسياسي بالغ الخطورة يمنح صاحبه قدرة واسعة على التأثير في القرار السوداني وفي حركة التجارة الإقليمية.
أما المرتكز الثاني فكان مرتبطًا بأرض الفشقة، تلك المنطقة التي ظلت تمثل قضية سيادية حساسة بالنسبة للسودان وقد أدركت بعض القوى الإقليمية أن وجود جيش وطني قوي ومتماسك يجعل من الصعب تمرير أي ترتيبات تمس الحدود أو السيادة الوطنية، لذلك كان إضعاف المؤسسة العسكرية جزءًا من الطريق نحو إعادة رسم التوازنات في تلك المنطقة.
ثم جاءت الثروة المعدنية وعلى رأسها الذهب باعتبارها القلب الاقتصادي الحقيقي للصراع فالسودان ليس بلدًا فقيرًا كما يراد له أن يظهر بل دولة تملك موارد هائلة جعلته هدفا لمشاريع النفوذ الإقليمي والدولي وكانت السيطرة على الموارد تعني السيطرة على مستقبل السودان الاقتصادي نفسه ولذلك تحولت مناطق التعدين إلى جزء من معركة النفوذ الكبرى التي جرت في الخفاء والعلن معا لكن الركيزة الأخطر في المشروع كله كانت محاولة استبدال الجيش السوداني بقوة أخرى أكثر قابلية للتبعية والتوظيف الخارجي.
وهنا ظهر الدعم السريع باعتباره الأداة التي بنيت عليها رهانات إسقاط الدولة القديمة وإعادة تشكيل السلطة وفق معادلات جديدة فقد كان التصور قائمًا على أن هزيمة الجيش ستفتح الباب أمام واقع سياسي وأمني جديد تصبح فيه موارد السودان وموانئه وقراره الوطني تحت نفوذ القوى الداعمة لذلك المشروع. غير أن ما لم يحسب جيدًا هو طبيعة الجيش السوداني نفسه وطبيعة المجتمع السوداني أيضا فبرغم الضربات القاسية والحصار الإعلامي والسياسي والعسكري لم ينهر الجيش كما كان متوقعا ولم تتفكك الدولة بالصورة التي راهن عليها المخططون للحرب بل حدث العكس تمامًا، إذ تحولت المعركة إلى لحظة استنفار وطني أعادت تشكيل الوعي السوداني تجاه فكرة الدولة والسيادة والاستقلال الوطني ومع تقدم الجيش في الميدان بدأت أركان المشروع تتهاوى تباعا سقط رهان الحسم السريع وفشل مشروع إسقاط المؤسسة العسكرية وتعطلت الأحلام المرتبطة بالسيطرة الكاملة على الموانئ والموارد وتحول الدعم السريع من أداة يراد بها صناعة واقع جديد إلى عبء سياسي وعسكري وإنساني أثار غضب قطاعات واسعة من السودانيين
لقد اكتشفت القوى التي دعمت الحرب أن السودان ليس مجرد مساحة جغرافية قابلة لإعادة التشكيل بسهولة وأن الجيش السوداني ،رغم كل أزماته، ما زال يمثل في وجدان قطاعات كبيرة من الناس آخر حصون الدولة الوطنية كما أثبتت الحرب أن بناء النفوذ عبر الميليشيات قد يحقق مكاسب مؤقتة لكنه لا يستطيع تأسيس استقرار دائم أو شرعية حقيقية وفي النهاية فإن ما يجري اليوم لا يبدو فقط نهاية مرحلة عسكرية بل نهاية مشروع كامل كان يطمح إلى إخضاع السودان عبر الفوضى وإعادة هندسة الدولة من الخارج.
وربما تكون أخطر نتائج هذه الحرب أنها أعادت طرح السؤال الكبير أمام السودانيين جميعاً: كيف يمكن بناء دولة قوية لا تصبح ثرواتها وحدودها ومؤسساتها رهينة لأطماع الخارج وصراعات الداخل؟
نهاية المشروع الإماراتي في السودان .. حين سقط رهان الميليشيا وبقيت الدولة .. هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


