ليست كل الهزائم تُقاس بعدد المدن التي تسقط، ولا بعدد البنادق التي تصمت، فبعض الهزائم أعمق من ذلك بكثير؛ هزائم تحدث داخل الإنسان نفسه، حين يكتشف فجأة أن الطريق الذي سار فيه طويلًا لم يكن يؤدي إلى النجاة، وأن الكلمات التي صدّقها كانت أكبر من الواقع وأن المعنى الذي عاش لأجله بدأ ينهار أمام عينيه قطعةً قطعة.
وفي السودان، لم تكن الأحداث الأخيرة مجرد معركة عسكرية بين أطراف متصارعة، بل كانت امتحانًا وجوديًا قاسيًا للمواطن السوداني نفسه؛ امتحانًا وضع الإنسان أمام سؤال بالغ القسوة والبساطة في آنٍ واحد: ماذا تفعل حين ينهار المعنى؟
ذلك لأن أخطر ما يحدث في زمن الأزمات ليس سقوط المدن، بل سقوط اليقين.
فالإنسان يمكنه احتمال الفقر، والخوف، وحتى الحرب أحيانًا، لكنه ينهار حين يفقد تفسيره للعالم، وحين تصبح الحقيقة أثقل من احتماله النفسي والأخلاقي.
وقد كتبنا بالأمس عن “أزمة اللغة” في السودان؛ عن تلك اللحظة التي تتحول فيها الكلمات إلى ستار يُخفي الحقيقة بدل أن يكشفها، لكن الأزمة الأعمق اليوم ليست فقط في اللغة، بل في الكيفية التي يواجه بها السودانيون اكتشاف الحقيقة نفسها.
وهنا، نستطيع أن نرى — بوضوح شديد — ثلاثة نماذج إنسانية سودانية تتشكل داخل هذا الانهيار الكبير.
النموذج الأول… هو المواطن الذي رأى الحقيقة كاملة، لكنه لم يستطع احتمالها.
هذا الإنسان ليس جبانًا كما يظن البعض، وليس ضعيفًا كما تصفه الشعارات الصاخبة، بل ربما كان أكثر الناس صدقًا مع نفسه. لقد فهم مبكرًا أن الوهم قائم، وأن الخديعة مستمرة وأن المسافة بين الخطاب والواقع أصبحت مرعبة، لكنه — في المقابل — لم يجد طريقة للعيش داخل هذا التناقض القاتل فانسحب.
غادر المشهد كله، وأحيانًا غادر السودان نفسه، ليس لأنه لا يحب وطنه، بل لأنه لم يعد قادرًا على التعايش مع الشعور المستمر بالخذلان.
وهذا النموذج ليس جديدًا على التاريخ السوداني؛ فكل الأزمنة المضطربة تُنتج دائمًا أولئك الذين يختارون النجاة الفردية حين تصبح النجاة الجماعية مستحيلة.
إنه الإنسان الذي أدرك الحقيقة، لكنه فقد القدرة على حملها.
أما النموذج الثاني، فهو أكثر تعقيدًا وهدوءًا. هذا المواطن لم يُنكر الهزيمة، ولم يتورط في تزييف الواقع ولم يقل إن الأمور بخير بينما البلاد تتآكل من الداخل، لكنه — رغم ذلك — قرر أن يعيش.
لم يحمل أوهام الانتصار الكامل، ولم يسقط كذلك في اليأس الكامل.
وقف في منطقة وسطى شديدة الصعوبة، منطقة اسمها: “التعايش مع الألم”. ولذلك، حين واجه المواطن الأول، قال له — دون ضجيج — إن الإنسان لا يختار دائمًا ظروفه، لكنه يحاول أن يجد طريقة للاستمرار داخلها.
فالحياة عنده ليست انتصارًا دائمًا، بل قدرة متكررة على النهوض رغم التعب.
هذا النموذج هو الذي يحفظ المجتمعات من الانهيار الكامل؛ لأنه يفهم أن الأوطان لا تستمر فقط بالأبطال، بل أيضًا بأولئك الذين يواصلون الحياة بصبرٍ يومي صامت.
لكن النموذج الثالث كان مختلفًا تمامًا، فهذا المواطن لم ينسحب، ولم يكتفِ فقط بالتعايش، بل قرر أن يخوض معركته مع الواقع حتى النهاية.
آمن بأن الهزيمة ليست قدرًا نهائيًا، وأن الإنسان يمكنه — حتى وسط الخراب — أن يعيد تعريف نفسه من جديد.
إنه الإنسان الذي فهم أن التغيير الحقيقي لا يبدأ من السلطة وحدها، ولا من الشعارات الكبرى، بل يبدأ من داخله هو؛ من إيمانه بنفسه، ومن قدرته على مقاومة الصورة التي يريد المجتمع فرضها عليه.
ولذلك، فهو لا ينكر وجود الصراعات الاجتماعية والفكرية، ولا يتجاهل القيود الثقيلة التي يصنعها الواقع السوداني، لكنه يرفض أن تتحول تلك القيود إلى تعريف نهائي لهويته أو مستقبله.
إنه يقاتل لا لأنه يضمن الانتصار، بل لأنه يرفض الاستسلام النفسي.
وهنا تصبح الصورة أكثر عمقًا وتأملًا؛ لأن هؤلاء الثلاثة ليسوا من ثلاثة أوطان مختلفة، بل من وطن واحد، ومن زمن واحد، ومن جغرافيا واحدة، لكنهم اختلفوا فقط في طريقة مواجهة الانكسار.
– الأول رأى الحقيقة فهرب منها.
– الثاني رأى الحقيقة وتعايش معها.
– أما الثالث، فرأى الحقيقة وقرر أن يقاتل رغمها.
وفي تقديري، فإن السودان اليوم يعيش داخل هذا التمزق الإنساني أكثر مما يعيش داخل صراع سياسي أو عسكري فقط.
فالمعركة الحقيقية ليست حول من يربح السلطة وحده، بل حول أي نوع من البشر سيخرج من هذه التجربة القاسية.
هل سيخرج الإنسان المنهك الذي فقد ثقته بكل شيء؟
أم الإنسان الذي اعتاد التعايش مع الخراب حتى صار الخراب طبيعيًا؟
أم الإنسان الذي يحاول — رغم كل شيء — أن يبني معنى جديدًا للحياة؟
ذلك لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي شعب ليس الهزيمة العسكرية، بل الاعتياد النفسي على الهزيمة.
وحين يعتاد الإنسان الانكسار، يصبح عاجزًا حتى عن تخيل النجاة.
لهذا، فإن سؤال المرحلة في السودان ليس فقط: من ينتصر؟
بل: كيف ينجو الإنسان السوداني من الهزيمة دون أن يفقد نفسه؟ هل ينسحب؟ هل يتعايش؟ أم يقاتل حتى النهاية؟
ربما لا توجد إجابة واحدة صحيحة، لأن البشر ليسوا نسخًا متطابقة، لكن المؤكد أن الأمم لا تُبنى فقط بمن ينجون، بل بمن يواصلون البحث عن المعنى حتى في قلب العاصفة.
ومن هنا، فإن المعركة القادمة في السودان لن تكون معركة بنادق فقط، بل معركة وعي، ومعنى وقدرة على استعادة الإنسان السوداني من داخله قبل استعادة الدولة نفسها.
لأن الأوطان لا تسقط فقط حين تُهزم جيوشها، بل حين يقتنع مواطنوها أن لا جدوى من النهوض مرة أخرى.
وهنا بالضبط أصل القضية.
أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان… هزيمة البنادق أم هزيمة المعنى؟ محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية
المقالة السابقة


