Popular Now

جذور و أوراق .. في رحاب المنافحة والوطنية _ قراءة في استطلاعات مركز الخبراء العرب .. بقلم/ موفق عبدالرحمن

سلسلة الحرب على السودان .. المقال (57).. ساعة الحسم في السودان: تحالف الرياض–القاهرة يواجه مشروع الفوضى … والإمارات خارج معادلة السلام

إشكالية تحديد المواقع التوراتية بين غور الأردن ووادي النيل ( 1 من 2 ) .. بقلم/ د.بابكر عبدالله محمد علي

أصل القضية … التعديل الوزاري في السودان: خطوة تكتيكية أم لحظة تأسيس وطنية؟ .. بقلم/ محمد أحمد أبوبكر ..باحث في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

حين تهتز الدولة على وقع الرصاص، و تضطرب ملامحها بين مشاهد الحرب و المجاعة و الشتات، يصبح أي تعديل في بنية الحكم حدثًا سياسيًا لا يُقرأ بالمجهر الإداري، بل بالمنظار الإستراتيجي… و هذا بالضبط ما ينطبق على التعديل الوزاري الأخير في السودان، الذي طال سبع وزارات من بينها وزارة الخارجية.
هل نحن أمام محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي؟ أم أن ما جرى هو مقدّمة لتحوّل أعمق في بنية السلطة ومسار الدولة؟ ما الذي يحتاجه السودان في هذه اللحظة الحرجة: مرحلة انتقالية أم تأسيسية؟ و ما انعكاسات كل ذلك على ملامح السياسة الخارجية في ظل حرب تُعيد رسم خريطة التحالفات و الخصومات؟
أولًا: وزارة الخارجية… منبر الحرب الناعمة
تغيير وزير الخارجية ليس إجراءً عابرًا. بل هو جزء من معركة أكبر تُخاض على جبهة الشرعية الدولية، حيث تسعى الدولة السودانية إلى تثبيت صورتها كطرف شرعي في مواجهة تمرّد مليشياوي مدعوم من أطراف خارجية.
لسنوات، ظلت الدبلوماسية السودانية حقلًا للمساومات و لعبة بين الولاءات السياسية. لكن الحرب قلبت المعادلة، وفرضت منطقًا جديدًا: إما أن تكون السياسة الخارجية أداة وطنية سيادية، أو تكون ثغرة تُخترق منها البلاد.
التعديل الأخير، إذًا، قد يحمل في طياته محاولة لاستعادة زمام المبادرة الخارجية، و إعادة إنتاج الخطاب السوداني بما يتلاءم مع ضرورات المرحلة و مقتضيات الواقع الجيوسياسي.
ثانيًا: السودان لا يحتاج إلى انتقال… بل إلى تأسيس
الانتقال يُفترض أنه عبور من نقطة اضطراب إلى نقطة استقرار. لكن السؤال الحقيقي هو: هل لدينا أصلًا نقطة نعود إليها؟
ما جرى منذ تمرد الدعم السريع ليس مجرد أزمة أمنية، بل انهيار بِنيوي في تصور الدولة نفسها. و لذلك، فإن أي حديث عن مرحلة انتقالية قد يُكرّس هشاشة الدولة لا يعالجها.
إن ما يحتاجه السودان هو مرحلة تأسيسية جريئة و شجاعة، تعيد تعريف من هو “الفاعل السياسي”، و تبني عقدًا وطنيًا جديدًا يعيد ترتيب العلاقة بين المركز والهامش، بين الدولة و المجتمع و بين الداخل و الخارج. هذه ليست رفاهية نظرية بل ضرورة وجودية.
ثالثًا: السياسة الخارجية… مرآة الداخل
لطالما كانت السياسة الخارجية مرآة مضطربة تعكس توتر الداخل السوداني. فمنذ اندلاع الحرب، شهدنا تذبذبًا واضحًا في الأداء الدبلوماسي:
● غياب في المحافل الدولية خلال الأسابيع الأولى.
● تردد في إدارة ملف الوساطات.
● خطاب متقلب يتراوح بين الهجوم و الاعتذار.
لكن شيئًا فشيئًا، بدأت الدولة تستعيد نَفَسها، و تخوض معركة الصورة و الرواية:
● رفض قاطع لأي تدخل أممي يُضعف السيادة الوطنية.
● مقاومة مشروع “حكومة المنفى”.
● إعادة ضبط العلاقة مع المحاور الإقليمية وفق قاعدة “لا اصطفاف، بل مصالح”.
و مع ذلك، تبقى السياسة الخارجية بحاجة إلى ما هو أكثر من التصريحات… إنها بحاجة إلى رؤية وطنية ثابتة و مشروع إستراتيجي مدروس.
رابعًا: من الدفاع إلى الهجوم… ضرورة التحول الإستراتيجي
لكي يتحرر السودان من حالة الارتباك الدبلوماسي، عليه أن ينتقل من رد الفعل إلى الفعل، و من الدفاع إلى المبادرة و هذا يتطلب:
● إعادة بناء وزارة الخارجية كمؤسسة سيادية مهنية، لا ساحة للمحاصصة.
● إطلاق حملة دبلوماسية ناعمة و شعبية تُخاطب المجتمعات و الرأي العام الدولي.
● تفعيل دور مركز الدراسات التابع للوزارة مما يساهم في توجيه صانع القرار السياسي.
و في قلب كل ذلك، ينبغي أن تقوم السياسة الخارجية على ثلاثة مرتكزات:
١. الحياد الإيجابي دون تماهي أو تبعية.
٢. تعظيم المصالح لا تصفية الحسابات.
٣. استثمار الموقع و الموارد، لا ارتهانها.
خامسًا: السودان بين حربين… و حلمين
بين الحرب المفروضة في الداخل، وحرب الشرعية في الخارج، يقف السودان على مفترق طرق حاسم:
● إما أن نعيد تشكيل دولتنا بأيدينا، و نكتب روايتنا بأنفسنا،
● أو يُعاد تشكيلنا من الخارج بمنطق المنظمات، و التمويل المشروط و الإملاءات الجاهزة.
و حتى لا تضيع التضحيات في زحمة التعديلات، لا بد أن نطرح السؤال الجوهري: إلى أين نحن ذاهبون؟
فإن لم تكن الإجابة في حجم اللحظة، فإن التاريخ لا يرحم و الفرص لا تتكرر.

أصل القضية: التعديل الوزاري لا يصنع الفرق وحده، لكنه يُمكن أن يكون بداية تحوّل كبير… إن اقترن برؤية تأسيسية، و مشروع وطني جامع، و سياسة خارجية تتحدث بلغة المصالح لا الانفعال و بلغة السيادة لا التبعية.
السودان لا يحتاج إلى وزراء جدد فقط… بل إلى خريطة طريق جديدة تُخرج الدولة من منطق البقاء إلى مشروع البُنيان.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة … لندن: المنابر الكذوب .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

منظومة Buk-M3 و مدى حاجة السودان لها في ظل التحديات الأمنية الراهنة .. بقلم/ لواء ركن دكتور (م) سعد حسن فضل الله

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *