في زمن تموج فيه الأحداث وتتكالب فيه الخطوب على الوطن، برزت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية كإحدى أعظم مؤسسات الدولة صلابة وعطاء وكجدار منيع يذود عن حمى الوطن في ميادين القتال كما ينهض في ميادين البناء والإعمار ، هذه هي المنظومة التي ولدت من رحم الإرادة الوطنية لم تكن مجرد مؤسسة إنتاج عسكري إنما كانت وما زالت عقيدة وطنية متجذرة في وجدان الرجال الذين نذروا أنفسهم للسودان.
خلال الحرب الأخيرة التي عصفت بالبلاد، وقفت منظومة الصناعات الدفاعية في الصفوف الأولى تقوم بواجبها الوطني كاملا دون تردد أو تواني فقد كانت خط الإمداد الأول للقوات المسلحة والمؤسسات النظامية الأخرى بالسلاح والعتاد والذخائر والعتاد وظلت شريان الإمداد الحربي النابض الذي لم ينقطع رغم الصعاب والحصار والاستهداف ،فلم تكتفي المنظومة بالإنتاج والدعم اللوجستي فحسب إنما دفعت ببنيها من الضباط وصف الضباط والجنود والمجاهدين إلى خطوط القتال، مؤمنين أن الدفاع عن الوطن لا يختزل في العمل المكتبي أو الفني إنما هو عهد تراق لأجله الدماء وتبذل الأرواح رخيصة تجاه كرامة و عزة وطن و دين .
وما أعظم أن ترى مؤسسات وطنية تقاتل في الجبهات وتقاتل أيضا في ميادين الاقتصاد والإنتاج ، لقد أدركت و أيقنت منظومة الصناعات الدفاعية أن الحرب ليست فقط رصاصا وصواريخ وعتاد حربي ، بل هو صراع إرادات واقتصاد وإمكانيات و موارد مهدرة، ومن هنا وقفت المنظومة سندًا للدولة في وجه الحرب الاقتصادية إذ أسهمت في إسناد السوق الوطني بالسلع الاستراتيجية المحركة لعجلة الدولة كالوقود والزيوت والمواد الصناعية الحيوية و التحويلية، حيث ظلت مصانعها تعمل ليل نهار لا تعرف السكون ولا الركود ولا الخنوع لأن الوطن كان ينادي ولأن الأمانة الوطنية لا تعرف التأجيل.
واليوم وبعد أن وضعت الحرب أوزارها في معظم الجبهات لم تتوقف المنظومة عند حدود النصر العسكري بل انطلقت في مرحلة إعادة البناء والتعمير، و بدأت بإعادة تأهيل بنيتها التحتية الصناعية وتحديث خطوط إنتاجها مستعينة بأحدث التقنيات والتكنولوجيا العالمية و بكوادر وطنية ذات كفاءة عالية و شرعت في إنشاء مصانع جديدة ونسجت علاقات دولية متميزة تسهم في نقل الخبرات والمعرفة ،كل ذلك من ميزانيتها الذاتية ومن روحها الوطنية العالية التي لم تعرف الاتكال.
إن ما حققته منظومة الصناعات الدفاعية لم يأتي من فراغ بل هنالك قيادة واعية تتحلى بالحكمة والإخلاص ومن عاملين يحملون على عواتقهم هم الوطن قبل مصالحهم الشخصية ،كثير منهم لم يروا أسرهم منذ اندلاع الحرب و ظلوا مرابطين في مواقعهم يعملون بصمت وإيمان بأن الدفاع عن السودان لا ينتهي بوقف إطلاق النار، بل يمتد إلى بناء ما تهدم، وصون ما تبقّى واستشراف ما يبنى.
لذلك فإن الحديث عن منظومة الصناعات الدفاعية تستحق إشادة ليست عابرة إنما هو تقدير صادق لمؤسسة جسدت معنى الوطنية في أبهى صورها، فهي لم تقف عند حدود الواجب و تجاوزته إلى ميادين التضحية والعطاء والإبداع، فحق لنا أن نرفع لها القبعات إجلالًا واحترامًا وأن ننحني فخرًا لمن جعلوا من العرق والدم والحديد قصيدة عشقٍ تروى باسم الوطن.
ستبقى منظومة الصناعات الدفاعية بكل ما فيها من رجال ومؤمنين برسالة السودان درعًا منيعًا، وجدار صد شامخًا في وجه الأعداء وسراجًا منيرًا يضيء طريق إعادة البناء والنهوض الوطني.
ومن يكون له مثل هؤلاء الرجال لا يهزم إنما يعاد ميلاده في كل محنة أقوى وأصلب وأكثر إيمانًا بوطن لا يموت.

